عربي
تبدو تجربة الشاعر المغربي عبد الله زريقة اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود على بدايتها، ناضجة ومتوازنة، لكنها في جوهرها ما تزال مخلصة لذلك الطفل–الشاعر الذي يرى العالم بقلق وخوف، ويصر على تحويل هذا القلق إلى شعر. تجربته شهادة على أن الشعر ليس ما نكتبه عن العالم، بل ما نكتبه عن الجانب الخفي من أنفسنا ونحن نواجه العالم. وأن القصيدة، مهما كانت قصيرة، يمكن أن تكون نافذة واسعة على الحياة، إذا كانت مكتوبة بصدق داخلي وبنبرة متوازنة بين الضعف والقوة.
هو أحد الأصوات التي استطاعت أن تمنح القصيدة المغربية الحديثة سمات جديدة تقوم على البساطة، على الصمت، على الجسد، على رؤية للعالم بوصفه مكاناً هشاً يحتاج إلى لغة خفيفة كي يمكن احتماله. إنه شاعر الضوء الخافت، شاعر الخطوة الصغيرة، شاعر ما لا يُقال، وهو بهذا المعنى واحد من أكثر الشعراء المغاربة قدرة على صيانة جوهر الشعر في زمن يغمره الضجيج.
يمثل زريقة أحد أبرز الأصوات الشعرية التي شكّلت ملامح التحول العميق في القصيدة المغربية منذ سبعينيات القرن الماضي. فهو شاعر خرج من صمت المرحلة لا ليملأه بالخطابة أو الشعارات، بل ليضيف إليه صمتاً آخر أكثر كثافة، وأكثر قدرة على الكشف، صمتاً يجعل من اللغة مرآة للكسور الداخلية وللجراح التي تتوارى خلف الأشياء. إن قصيدته ليست بناءً لغوياً محكماً ولا منظومة بلاغية متماسكة، بل هي حركة دقيقة للوجود في لحظة ارتباكه، وصوت داخلي يخرج من أعماق الجسد اعترافاً أولياً، هشّاً ومضطرباً، لكنه في الوقت نفسه صادق وصلب.
لقد ظهر زريقة ضمن سياق ثقافي مشحون بالتحولات السياسية والفكرية، كان الشعر فيه مساحة للتحرر وكسر البنى الجامدة. إلا أنه اختار منذ البداية إفراطاً كبيراً في البساطة، وابتعد عن أي نزوع خطابي أو لغوي يلتبس بالزخم الأيديولوجي. كل ما كتبه كان ينتمي إلى حقل الصورة الومضة، تلك الجملة القصيرة، المكثّفة، التي تلمع ثم تنطفئ، مثل شرارة على جدار معتم. هذه القدرة على كتابة اللمح، بدل الوصف، وعلى استبدال الإيقاع الشعري التقليدي بإيقاع داخلي تجريدي، جعلته صوتاً منفرداً في مشهد متنوع، لا يسعى إلى التميّز، لكنه يحققه بشكل طبيعي.
تجربة زريقة الشعرية تتأسس على ثلاثة أركان أساسية: الجسد، والعالم المرئي، والهشاشة الوجودية. فالجسد ليس موضوعاً عنده، بل أفق للكتابة، بوصفه المكان الأول لكل ما يحدث. يكتب الجسد بوصفه تعريفاً للذات، وجداراً هشّاً تتكسر عليه الوقائع. لكنه أيضاً الجسد–الصوت، الجسد–العري، الجسد–الخوف، الجسد–اللغة. إن مركزية الجسد في شعره لا تأتي من رغبة في استعراض الحسية أو تكسير التابوهات، بل من شيء أعمق: إنه يعتبر الجسد مخزن الذاكرة، ومختبر التأثر، والعالم الأول الذي تتجلى فيه هشاشة الكائن. ولهذا تبدو قصيدته دائماً كأنها تتنفس، كأنها نبضة، كأنها امتداد طبيعي للحركة الداخلية للقلب والدم والعصب.
ظهَر ضمن سياق ثقافي مشحون بالتحولات السياسية والفكرية
أما العالم الخارجي، في شعره، فلا يَظهر موضوعاً مستقلّاً، بل بوصفه مشهداً ضبابياً يحضر في الخلفية. المدن، الأرصفة، الغرف، الأبواب، النوافذ، الشوارع، كلها عناصر لا تدخل القصيدة لذاتها، بل لأنها تشكّل مرآة لحركة الذات. المدينة عنده ليست هندسة إسمنتية، بل كائن متعب، يتنفس ببطء، ويئنّ، ويترك أثره على الكاتب. لهذا تحضر المدينة وكأنها شريك وجودي، علاقة غير مستقرة بين كائن هشّ (الذات) وكائن ضخم وبارد (العالم). هذه العلاقة تنتج إحساساً دائماً بالتأخر، بالعجز، بالحيرة، وهو ما يجعل شعره مغموساً في نوع من الانكسار الجميل، انكسار لا يخلو من شجاعة، لأنه يواجه العالم بعري كامل.
الهشاشة ليست حالة شعورية في شعر زريقة؛ إنها فلسفة داخلية. يكتب القصيدة بوصفها كائناً يوشك على السقوط، كمن يلتقط الأشياء قبل أن تضيع، وكمن يعرف أن كل ما نراه في طريق الزوال. لهذا يبدو شعره أقرب إلى تأمل في الفناء من دون أن يتحول إلى نبرة مأساوية. إن الوجود عنده مشهد يمرّ بسرعة خاطفة، وعلينا التقاط اللمعان الأخير فيه قبل أن يختفي. وهذا ما يجعل الومضة الشكل الأمثل لكتابته؛ فهي شكل يتناسب مع رؤية ترى أن العالم لا يستحق الإطناب، وأن الحقيقة لا تأتي في جمل طويلة، بل في لحظات قصيرة وضئيلة، لكنها كافية للكشف.
