عربي
تضيق على السوريين في تركيا تباعاً، لتتعاظم ملامح نهاية "الحماية المؤقتة" وتقلب تركيا صفحة الهجرة من "أنتم المهاجرون ونحن الأنصار" بعد تحرير سورية. وإن عبر طرائق غير مباشرة ومختلفة عن تلك التي أعلنتها دول اللجوء بأوروبا بترحيل السوريين قسراً أو عبر الإغراء المالي، بعدما أوقفت لمّ الشمل وأغلقت ملف اللجوء.
في تركيا، ورغم أن الرئيس، رجب طيب أردوغان نفسه، أعلن أن لا ترحيل قسرياً للسوريين، بيد أن التبدل بالتعامل وتقليل التسهيلات ووقف ميزات اللجوء، دفعت وستدفع السوريين بتركيا للعودة لوطنهم. إذ وبمنتهى البساطة، لم تعد الدخول تكفي لأبسط تكاليف المعيشة المرتفعة، بعد إلغاء الخدمات الصحية المجانية للسوريين، مطلع العام الجاري ووقف ميزات التعليم العالي العام الماضي، والتوقع بالمزيد مع زيادة ملامح وقف تجديد بطاقة الحماية "الكيملك" لدفع من يريد البقاء بتركيا، إلى استصدار إقامة سياحية، والتي لها ما لها، من تكاليف وصعوبة استصدار وتجديد سنوي.
إذ وعلى ما يبدو، ولأسباب أمنية أو أخرى لها علاقة بتأخر تحسّن ظروف المعيشة والخدمات بسورية، لم تتوافق أرقام عودة السوريين من تركيا، مع ما أعلنه المسؤولون وذهبت إليه التوقعات بأن يصل العدد لمليون لاجئ خلال العالم الأول للتحرير، فالأرقام حتى اليوم لم تزد عن 600 ألف سوري عادوا طوعاً وبقي نحو 2 مليون و370 ألف سوري يقيمون في تركيا تحت بند الحماية المؤقتة.
ليكون الكيّ، وإن بدبلوماسية، هو الحل أمام تركيا التي استضافت السوريين خلال ثورتهم، وكانت، للأمانة والتاريخ، أكثر الدول رعاية واحتضاناً ودعماً، رغم العنصرية والتكريه والاستهداف التي مارستها أحزاب معارضة خلال كل استحقاق داخلي، ورمي ورقة اللاجئين السوريين على طاولة السياسة، بعد تحميلهم ما لا ذنب وطاقة لهم على تحمله، من زيادة البطالة وتراجع سعر الصرف وارتفاع أسعار السلع وإيجار العقارات.
قصارى القول: إن قفزنا على جدلية أن تركيا تعيق استمرار السوريين على أراضيها بعد التحرير وانتفاء مبرر اللجوء وقانونية "الحماية المؤقتة"، أو لم تزل ترحب ولن تقدم على الترحيل القسري، لننظر إلى عودة السوريين من ميزان مصالح كلا الطرفين، سواء السوري العائد وخسارته الرفاهية والخدمات والعمل، أو تركيا وما يمكن أن ينعكس جراء عودة السوريين، على اليد العاملة الرخيصة وإيجار العقارات وحتى تحريك الأسواق والاستثمارات.
السوري خاسر للعديد من ميزات العيش والعمل بتركيا، خاصة أن تلك الميزات، على قلتها، لا تقارن بما سيلقاه بسورية التي لم تزل تفتقر لفرص العمل والخدمات وحتى البيئة الآمنة ببعض مناطقها.
ويخسر السوري في ما سيخسر جراء عودته، تعليم أولاده وبيئة اجتماعية وثقافية وخدمية، لا تقارن، بأي شكل، بالواقع السوري الحالي المفتوح، حتى اليوم، على غير احتمال.
بيد أن هذه الخسائر لا تقارن بالذي ستتكبده تركيا، إن زاد تضييقها وعاد السوريون بأعداد كبيرة، لأن الخسائر لن تقتصر على قطاع العقارات، إيجارا ومبيعا كما يبدو اليوم، أو خسارة عمالة بقطاعات إنتاجية وأجور زهيدة، الأرجح لن يسدها أو يقبل بها الأتراك.
ولو أخذنا بعض ما قاله أرباب العمل الأتراك أو ممثلوهم أخيراً، كرئيس غرفة تجار الخياطة بولاية غازي عنتاب، علي كرمورجو الذي قال إن "أكثر من نصف ورش النسيج اضطرت إلى الإغلاق بسبب فقدان شريحة واسعة من العمال السوريين، الذين كانوا يشكلون عماد هذا القطاع". أو رئيس غرفة صناعة الأحذية في الولاية ذاتها، محمد أمين إينجه الذي قال إن "نحو 10 آلاف عامل سوري غادروا القطاع خلال العام، ما أدى إلى نقص كبير في الأيدي العاملة المدربة، وترك أثرا واضحا على وتيرة الإنتاج في واحد من أكبر القطاعات الصناعية في المنطقة" فسندرك، أو نتصوّر حجم العقابيل فيما لو غادر السوريون تركيا بأعداد أكبر، ونعذر مخاوف وتحوّط وزارة العمل واستبيانها على 17 قطاعاً طاولت 16 ألف منشأة بتركيا، لتقييم أثر عودة السوريين على المشهد العمالي، ورصد الفجوات التي خلّفها خروج أعداد كبيرة من اليد العاملة، لا سيما في قطاعات الإنتاج والخدمات.
وكل هذا إن لم نوسّع مشهد آثار التضييق وعودة أصحاب الأعمال والمستثمرين السوريين بتركيا، والذين تبوؤوا المواقع الأولى بالاستثمار الخارجي لسنوات وساهموا عبر أكثر من 10 آلاف شركة، بالصناعة والتصدير والخدمات، بعدما تعدت استثماراتهم، منذ عام 2012 عتبة 10 مليارات دولار تركزت في الشركات المالية والخدمية والتصديرية، فضلاً عن الشركات الصناعية التي نقلت، خلال الثورة، الخبرات وحتى خطوط الإنتاج من عاصمة الاقتصاد السوري حلب.
ولكن، وليستوي القول، ثمة مكاسب لتركيا وإن محدودة، ربما أهمها سحب ورقة اللاجئين من يد الأحزاب المعارضة التي تتاجر بها خلال الانتخابات والاستحقاقات المحلية، وبعض الوفر الذي سينجم عن نفقات الخدمات والتعليم المجاني للسوريين.
نهاية القول: يبدو أن موسم الهجرة إلى الجنوب وعودة اللاجئين السوريين من تركيا لوطنهم، قد حان، وإن كانت المعادلة "خاسر خاسر" ويبدو أن السوريين أمام حلين "أحلاهما مرّ" إن تكيفوا مع التضييق وبقوا بتركيا لاعتبارات اقتصادية أو تعليم أولادهم.
الأول الحصول على إقامة سياحية، كغيرهم من الأجانب، رغم أن هذا الخيار مكلف مالياً ويفقدهم ما تبقى لهم من ميزات الحماية المؤقتة، كتعليم أولادهم في المدارس الحكومية بالمجان، ليكون الحل الثاني بالبطاقة الزرقاء، وهو أكثر صعوبة من سابقه ربما، لطالما تندرج بشروط الحصول عليها، إجادة اللغة التركية ووجود إذن عمل وتأمين صحي وحساب بنكي، وكل ذلك، مقابل الحصول على الحد الأدنى للأجور الذي بالكاد يسد لقاء إيجار المنزل والتنقل والطبابة المأجورة منذ مطلع العام الجديد.
وتخسر تركيا، بالمقابل، عمالة ستهز سوقها الراكد أصلاً وتؤثر على الإنتاجية القطاعية، بالزراعة والصناعات الصغيرة خاصة، الأمر الذي سينعكس على مستوى الأجور ومؤشرات الاستدامة في الصناعة وأرقام الصادرات. أو، وهذا ممكن، أن تبقي تركيا على بعض العمالة السورية واللاجئين الذين يشكلون لها قيمة مضافة، ضمن قانون الحماية المدعوم أوروبياً حتى اليوم، وذلك، من منظور نفعي بحت، في مصلحة تركيا التي أعلنت، بالتوازي مع عودة السوريين، ضمن استراتيجية التوظيف لعام 2028، عن خطط لاستقدام عمالة أجنبية مدروسة من دول آسيا الوسطى وأفريقيا، لتغطية النقص المسجل في قطاعات حيوية، بدأت تتأثر وتفتقر للعمالة، كالبناء والنسيج والصناعات الصغيرة، لأن إبقاء السوريين المندمجين والراغبين بالبقاء، في مصلحة الطرفين ويحولون المعادلة إلى رابح رابح.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة