عربي
تلقى الفلسطينيون في غزة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل الحياة، الإعلان الأميركي عن المرحلة الثانية من اتفاق غزة بمزيج من الحذر والأمل. وجاء إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، عن انطلاق المرحلة الثانية، أول من أمس الأربعاء، ليضع ملامح سياسية واضحة للمرحلة المقبلة، إذ أعلن، إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في القطاع، وتنص هذه المرحلة بحسب ويتكوف، على تشكيل إدارة انتقالية تكنوقراطية في غزة تحت مسمى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، والانتقال من وقف إطلاق النار إلى جانب الشروع في نزع السلاح الكامل، بما يشمل تفكيك جميع التشكيلات المسلحة غير "المصرح بها"، وإقامة إدارة فلسطينية تكنوقراطية، وبدء عملية إعادة الإعمار.
نافذة أمل نحو الاستقرار
وبعد شهور طويلة من القتل والدمار والانهيار الإنساني خلال الحرب، وحتى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار ودخوله حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بات الغزّيون يتطلعون إلى أي خطوة يمكن أن تفتح نافذة نحو الاستقرار، أو تخفف من ثقل الأزمات القاسية التي حاصرتهم في لقمة عيشهم، وبيوتهم المدمرة، ومستقبل أبنائهم. ويرى كثير من الغزيين، أن الانتقال إلى مرحلة ثانية من الاتفاق، إذا ما كُتب لها التطبيق الفعلي، قد يشكّل فرصة حقيقية لبدء معالجة الملفات الأكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها إعادة الإعمار، وفتح المعابر، وتسهيل حركة الأفراد والبضائع.
الناس في غزة لم تعد تبحث عن مكاسب سياسية بقدر بحثها عن حياة طبيعية
ويقول الفلسطيني خالد مسعود (45 عاماً)، إن الإعلان عن المرحلة الثانية من الاتفاق أعاد شيئاً من الأمل الذي كاد ينطفئ بعد حرب طاحنة طاولت كل شيء، مشيراً إلى أن الناس في غزة لم تعد تبحث عن مكاسب سياسية بقدر بحثها عن حياة طبيعية. ويبيّن مسعود في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأولوية اليوم هي إعادة الإعمار وفتح المعابر بشكل دائم، لأن بقاء البيوت مدمرة والبطالة مرتفعة يعني استمرار المعاناة حتى دون حرب. ويرى أن "أي اتفاق لا يعكس تحسناً حقيقياً على حياة المواطنين سيبقى ناقصاً"، مطالباً بأن تكون المرحلة المقبلة مدخلاً لكسر الحصار وإنهاء الأزمات المتراكمة. ولا ينظر مسعود إلى إعادة الإعمار في غزة باعتباره فقط إعادة بناء للحجر، بل مدخلاً أساسياً لاستعادة الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، وإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد، وخلق فرص عمل لمئات الآلاف ممن فقدوا مصادر رزقهم بفعل الحرب.
بدوره، يرى الشاب أحمد أبو شنب (21 عاماً) أن الإعلان الأميركي عن المرحلة الثانية يعكس توجهاً دولياً لمرحلة جديدة، لكنه يحذر من أن أي ضغوط سياسية قد تعيد الأمور إلى مربع التصعيد. ويقول أبو شنب لـ"العربي الجديد"، إن جيل الشباب في غزة يريد فرص عمل، وحرية سفر، ومستقبلاً واضح المعالم، لا مزيداً من الانتظار والوعود و "إبر البنج"، مبيناً أن نجاح المرحلة الثانية والاستقرار الحقيقي يبدآن عندما يشعر المواطن أن حياته لم تعد ورقة في لعبة السياسة.
ويأمل الغزّيون أن تسهم المرحلة الجديدة في إحداث انفراجة حقيقية على صعيد المعابر، بما يسمح بسفر المرضى والطلاب، ودخول الوقود والكهرباء والمساعدات، وإنهاء حالة الشلل التي ضربت كل نواحي الحياة.
حياة أقل قسوة في غزة
وتشير الفلسطينية النازحة من شرق غزة، عايدة اسليم (36 عاماً)، إلى أن المرحلة الثانية من الاتفاق تمثل بالنسبة إليها ولآلاف العائلات النازحة "فرصة أخيرة للعودة إلى حياة أقل قسوة". وتوضح اسليم لـ"العربي الجديد"، أن الحديث عن إدارة انتقالية وإعادة إعمار يبعث الأمل، لكنه يظلّ مشروطاً بالتنفيذ الفعلي على الأرض. وعن أكثر ما يقلق النساء وفق اسليم، فهو مستقبل الأطفال في ظلّ استمرار الفقر وانعدام الخدمات، معتبرة أن فتح المعابر وإدخال مواد البناء والمساعدات سيخففان كثيراً من الأعباء النفسية والاجتماعية التي خلّفتها الحرب.
سياسياً، ينظر الفلسطينيون في غزة إلى هذه الطروح بكثير من التحفظ، خصوصاً ما يتعلق بملف نزع السلاح وشكل الإدارة المقبلة، إلا أن شريحة واسعة منهم تركّز على النتائج العملية لا على العناوين الكبرى. ويوضح المحلل السياسي شرحبيل الغريب، أن الإعلان عن دخول المرحلة الثانية حيّز التنفيذ ليس إعلاناً بروتوكولياً كما يعتقد البعض، أو محاولة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، وإنما يعكس الإرادة الأميركية وكل المنظومة الدولية تجاه إعادة هندسة الواقع في غزة، عبر الانتقال إلى مرحلة جديدة تتناول الملفات ذات الأهمية الكبيرة في المشهد الفلسطيني. ومن أبرز هذه الملفات وفق الغريب، في حديثه لـ"العربي الجديد"، لجنة إدارة غزة بما هي مرحلة انتقالية لإدارة الأوضاع في القطاع، وقضايا نزع السلاح وإعادة الإعمار وترتيب قطاع غزة وفق رؤية أميركية إسرائيلية.
أحمد أبو شنب: جيل الشباب في غزة يريد فرص عمل، وحرية سفر، ومستقبلاً واضح المعالم
ولا يرى الغريب أي معيقات من الجانب الفلسطيني لترجمة المرحلة الثانية على أرض الواقع، ويقول حول ذلك إن "هناك حرصاً وطنياً ومسؤولية لتذليل أي عقبات يمكن أن تشكّل عائقاً أمام التنفيذ". ويلفت إلى أن "الفصائل الفلسطينية نجحت في تتويج هذه المرحلة عبر الإعلان عن بدء المرحلة الثانية"، مبيناً أنه "ليس من مصلحة حركة حماس أو أي فصيل تعطيل هذه المرحلة، وفقاً للضرورة الوطنية والمجتمعية بأهمية مواساة الناس والتخفيف من أزماتهم". في المقابل، يبين المحلل أنه وفي الزاوية الأخرى من المشهد (في الجانب الإسرائيلي) هناك قضايا لم يلتزم الاحتلال بها في ما يتعلق بالمرحلة الأولى أصلاً، ومنها البروتوكول الإنساني بكافة حذافيره، وفتح معبر رفح، ومحاولة ربط هذه الملفات بآخر جثة إسرائيلية موجودة في غزة، على الرغم من الحديث عن فقدانها.
شرحبيل الغريب: ليس من مصلحة حركة حماس أو أي فصيل تعطيل هذه المرحلة
ويشير إلى أن المرحلة الثانية تحمل الكثير من العناوين، وهي مسألة ليست سهلة، حيث تحمل ملف الانتقال في الحكم، وهي ليست قضية خلافية بفعل المرونة الفلسطينية، بينما تشكل قضية نزع السلاح أهم بنود هذه المرحلة وأخطرها حيث تحمل في مضمونها حالة من الصدام الإعلامي والسياسي مع كل الأطراف في المنطقة. ويعرب الغريب عن اعتقاده في هذا الصدد، أن حماس ستناور في هذا الملف إلى أبعد مدى، لضمان إيجاد حلّ سياسي للقضية الفلسطينية يتمثل في رؤية سياسية ترضي جميع الأطراف، مشدداً على ضرورة إيجاد صيغة توافقية لقضية الإعمار التي يتم ربطها كذلك بملف نزع السلاح.
ويقف الفلسطينيون في غزة بين الأمل والقلق، مترقبين ما ستؤول إليه المرحلة الثانية من الاتفاق ومدى قدرتها على التخفيف من معاناتهم، معتقدين أن هذه المرحلة بمثابة "مفترق طرق"، بين بداية الحلّ الحقيقي، أو أنها محطة أخرى في مسار طويل من الوعود المؤجلة.
