عربي
ما زال موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المحيّر من أزمة إيران أقرب إلى اللغز، وما زالت المحاولات متواصلة لفك طلاسمه. لتفسيره، لجأ المراقبون إلى التخمين أو الظن أو محاولة قراءة إشاراته ومفرداته مقارنة بسوابق مشابهة. فالأزمة ما برحت تطغى على المشهد في واشنطن والرئيس لم يغادر دائرة اللون الرمادي في التعاطي معها. يلوّح بالاحتمالات وبنقيضها في آن. يحرص دائماً على عدم إقفال باب التراجع، وفي الوقت ذاته يترك الانطباع بأنه حسم أمره أو على وشك الحسم.
صحيح أن التحيير من عدّة الشغل لديه، لكن في هذه الحالة، ربطه معظم المتابعين بغياب "الغرض المحدد" الذي يسعى ترامب إلى تحقيقه. آخرون لا يرون فيه سوى وسيلة "لإرباك الخصم" وتركه أسير الخوف من المفاجأة. اعتمد هذا النهج في استهدافه للمنشآت النووية الإيرانية في يونيو/ حزيران الماضي. قال آنذاك إنه سيقرر بشأن الضربة "خلال أسبوعين"، في حين كان قد اتخذ قراره الذي تمّ تنفيذه بعد أقل من يومين. فهل يتكرر السيناريو؟ الاحتمال من البداية كان وما زال غير مستبعد، لكن من البداية أيضاً كانت دونه عوائق، إن لم تكن عقبات مانعة.
في اليومين الأخيرين، بلغت هذه الازدواجية أقصاها. ترامب صعّد التزامه بمؤازرة المتظاهرين، من خلال تأكيده أن "الدعم (الأميركي) بات في طريقه إليهم "، محذراً طهران من اللجوء إلى إنزال عقوبة الإعدام بهم. ترافق ذلك مع معلومات مسرّبة أفادت بأن الإدارة قامت الأربعاء "بإخلاء بعض الموظفين من قطر"، وكذلك "فعلت بريطانيا"، من دون أن يصدر تكذيب لذلك، مما عزز احتمال أن يكون في الأمر عملية عسكرية يجري التستر عليها، وأن كلام الإدارة عما يوحي بالهدوء قد يكون لا أكثر من "خديعة" تُستعمل في الحروب للاحتفاظ بعنصر المفاجأة العسكرية، خاصة أن إيران قامت، بحسب تقارير من المنطقة، "بإغلاق مجالها الجوي في عموم البلاد".
لكن ترامب سارع فجأة بعد رفعه لسقف التصعيد، إلى سكب المياه الباردة على التسخين، بقوله إنه تبلّغ من مصادر يمكن الركون إليها، بأن عمليات "قتل المتظاهرين قد توقفت"، وأن السلطات الإيرانية لا تنوي اللجوء إلى عقوبة الاعدام. ومع أنه وعد بالتحقق من هذه المعلومات، بدا وكأنه يمهّد للتراجع عن التصعيد. تبنّيه لكلام هذه المصادر من دون الكشف عنها، أثار الشكوك حول الرواية التي بدت وكأنها خطوة أولى في حياكة مخرج للتخلص من "ورطة" تماديه في تبني مواجهة الشارع الإيراني مع النظام. فالمواجهة بين الشارع والنظام توسعت ودخلت طور كسر العظم، وفق ما نقلته التقارير التي تتحدث عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، بعدما انتقلت السلطات المعنية من محاولات الاحتواء، إلى اعتماد سياسة "البطش" بالمتظاهرين. عند هذا المفصل، صار على البيت الأبيض ترجمة وعوده بالدعم، وإلا انكشف عدم جدّية هذه الوعود، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات سلبية على الصورة والصدقية، خاصة الصورة التي ارتسمت بعد عملية فنزويلا.
بالإضافة الى ذلك، تقف متاعب ترامب في الداخل، عائقاً في طريق تفجير نزاعات خارجية. الكونغرس، ما عدا فريقاً من الجمهوريين، ليس في جوّ دعم مثل هذه التوجهات. مجلس الشيوخ، بالرغم من أن أغلبيته بيد الجمهوريين الموالين للرئيس ترامب، كاد الأربعاء أن يمرر مشروع قانون للحدّ من صلاحيات ترامب العسكرية في فنزويلا (وضمناً في غيرها). نجا المشروع بصوت واحد فقط، أدلى به نائب الرئيس جي دي فانس (هو في الوقت نفسه رئيس مجلس الشيوخ). التصويت جاء ليعكس المناخ الرافض في الكونغرس للعمليات العسكرية عموماً، ولو أن ترامب بإمكانه تأمين أكثرية ولو متواضعة في الكونغرس إلى جانبه، في أي مواجهة مع إيران.
إلى جانب ذلك، والأهم منه، هو أن متاعب البيت الأبيض في الداخل لها من الوزن ما يقوى على كبح خياراته العسكرية الخارجية. صعوبات الوضع الاقتصادي وتعذر تحقيق وعوده في خفض التضخم وغلاء المعيشة، أضعفت رصيده، بما يهدد بخسارة الجمهوريين لانتخابات الكونغرس بعد 9 أشهر، ومن ثم شلّ المتبقي من رئاسته لو بقيت الموازين على حالها. فالانتخابات والرئاسة في الميزان، وليس من السهل على البيت الأبيض تجاهل الأرقام والحقائق التي تترتب عليها أكلاف سياسية باهظة، خصوصاً أن ترامب وضع عدة ملفات خارجية أعطاها صفة الاستعجال، في سلته. فهل يختار شراء الوقت وتلطيف الخطاب لتقليل الخسائر؟ أم يصرّ على مواصلة نهج فنزويلا بصورةٍ ما؟
نغمة اليومين الأخيرين تحمل مؤشرات التراجع في إيران، مع أن التصعيد عادت أسهمه اليوم إلى الارتفاع ولو لساعات، عندما طُرحت علامات استفهام حول ما إذا كانت طهران وراء وقوع خلل مفاجئ أدى إلى تعطيل الاتصالات الهاتفية لشركة "فيريزون"، والذي استمر حوالي 10 إلى 12 ساعة، وشمل مليون ونصف مليون من زبائنها. في البداية، سرت تساؤلات عما إذا كان ذلك قد حصل بفعل عمل سيبراني إيراني، لكن الاحتمال سرعان ما سُحب من التداول. وفي أية حال، ليس هناك في واشنطن من يراهن على ما قد ترسو عليه الإدارة بشأن الأزمة في إيران.
