عربي
يا للغربة. عبارة يتيمة كتبت على ورقة، تطيّرها الريح الشتويّة عند الشاطئ، على الرمل المبلّل الساكن. أتراها امرأة أم رجل من كتب تلك العبارة المتطايرة؟ ولم الشعور بالغربة لطالما هذه مدينتهما؟ هذا ما فكّرت به بينما وجهي يتلقّى الرذاذ المالح البارد للموج الهائج. أزلت حبيبات الرمل عن الورقة ودسستها في جيب معطفي. أما تزال المدينة تلد كتّاباً ومبدعين رغم كلّ هذا الوجع المديد. في الشارع الرئيس ثمّة سيّارات تدخل المدينة مجدّداً، تطلّ الأسلحة من نوافذها وأسطحها، ترفعها أيدي جنود أغلبهم ملثّمون. مباغتة ومربكة رؤية اللثام اللعين هذا ثانية. تسطع في ذاكرتي عبارة لطفلة بأعوامها الأربعة، بأعجوبة نجت من المجزرة، قتل ملثّمون أفراد عائلتها جميعاً بمن فيهم أختها الرضيعة. كانت تحكي عمّا حدث أمام عينيها، ولوصف الملثّمين قالت ببراءة خائفة وصادمة: "ما لهم وجوه".
تخترق السيّارات الجديدة الشوارع، الوقت أوّل المساء البارد. والمدينة المنهكة لم تكد تقشّر عن جسدها المثلوم الأحمر رغم عدم يباسه على أمل عيش الحياة أخيراً، بعد خلاصها من المجرم المستبدّ السابق. كما أنّ بحرهم لم يكد يخفّف من عويله على من دُفنوا في التراب وعلى من رُمُوا في أعماقه. أقف على قارعة الطريق المتفسّخ برعونة التشتّت الذهنيّ والجهل والنعيق الطائفيّ، وأحدّق في عيون الجنود الملثّمين، وفي بعض الوجوه السافرة. أبحث بينها عن شباب بلدي لأميّزهم عن الغرباء الأجانب. يعزّ عليّ شباب بلدي من حملة السلاح، الضحايا الجُدد لهذا العماء الدمويّ المستمرّ. يلفتني عبوسهم الثابت منذ قدومهم الأوّل، يعاملون الأهالي معاملة الغرباء؟ لم يبثّون الخوف؟ أليسوا إخوة لنا. فما هم فاعلون؟ يصلني نحيب البحر. وحدهم الساحليّون يسمعون ويحفظون صوت بكاء بحرهم وصخب ضحكاته.
الوقت ليل عاصف. بغتة أجدني في بيت طفولتي الجبليّ، أبواب الغرف مفتوحة. أستغرب، في الشتاء نغلق الأبواب. عبر أحد الأبواب يصلني صوت أبي المريض في سريره يسألني:" أحقّاً هرب ابن الحرام؟" أؤكّد له بفرح لحظة تحقيق ما خلناه مستحيلاً. خلت أنّ أبي لا يُجيد الفرح وحسب، قطع سبله إليه وإلينا المستبدّان الأب وابنه. ألم ينسنا القادمون الجُدد فرحتنا؟ يأتيني صوت أمّي تقول: "لكنّهم لا يصدقونكم". نحن نعرف أنّ القادمين الجدد يعرفون ذلك تماماً، لكنّهم يصرّون على جهلهم بها، تبريراً لكلّ ما يرتكبونه من حماقات مدمّرة للبلاد. يعود أبي ليسأل: "إن تخلّصنا منه حقّاً، فلماذا ما يزال صوت الرصاص يلعلع، وتنسكب الدماء؟ لماذا يُعتقل الأبرياء ويقتل الفقراء، ويبرّأ الأغنياء؟ الاستدعاءات الأمنيّة لم تتوقّف، والسجون عادت لامتلائها. لا محاكمات قانونيّة ولا عدالة. الفساد والجشع ساريان. والشبّيحة يشفّطون بسيّاراتهم الفارهة. لا مؤسّسات ولا إنتاج. أنت تكذبين. فاللعين ما يزال هنا". الباب الخارجيّ يفتح بقوّة. أرتعد. أتذكّر أنّ والديّ رحلا خلال الحرب. أرجعتْ روحاهما تسكن البيت؟ بغتة، لثام يطير أمام عينيّ. والسلطة الانتقاليّة تهوى الملثّمين واللُّثُم بأنواعها؛ لثام الوجوه، لثام الأعمال، لثام المخطّطات والمشروعات، لثام الاجتماعات في الداخل، ولثام اللقاءات في الخارج مع دول صديقة وأخرى عدوّة. ضباب يتكاثف، يتعتّم، فيتعتّم حاضر البلاد والمستقبل. أراني ما أزال مسمّرة في الممرّ. أبواب الغرف تنغلق بهدوء. انكسر البلاط أمامي. أكاد أسقط، فأنتفض من نومي. أتناول كأس الماء. أشرب. صداع يضرب رأسي. فيه تتشابك صور الكابوس. أين أنا؟ عند البحر؟ أم في الجبل؟ شعور بالغربة على الطاولة أمامي ورقة غير مطويّة، أقرأ:" "مررْت في منتصف مدينتي، منتصف الجهات، ولم..." صوت رصاص قريب يندلع، ويمزّق سكون الليل، وأنفاسي.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة