عربي
يثير الحديث عن "الأمة" و"ثوابت الأمة"، الذي تروج له الحركات الإسلامية في نشاطها الدعوي والإعلامي وفي برامجها السياسية (برنامج حركة الإخوان المسلمين في سورية: المشروع السياسي لسورية المستقبل، مشروع حزب الحرية والعدالة: نهضة مصر، والحركات السلفية)، وتعتبره أساساً لإقامة خلافة إسلامية، التباسات وإشكالات كثيرة وخطيرة، بسبب تداخله وتعارضه مع ما يطرحه علم الاجتماع السياسي حول الأمة والدولة القومية وتناقضه مع نظام العصر: الدولة الوطنية.
الأمة بمعناها الاجتماعي، فطبيعةٌ أخرى مختلفة؛ إنها واقعٌ اجتماعي، وإطارٌ جماعيٌّ لحل مشكلات البشر داخله. تنشأ كإطارٍ اجتماعي من اختصاص شعبٍ معيَّنٍ بأرضٍ معيَّنة
لقد نشأت جماعة دينية من أفراد وقبائل وشعوب اتبعت دين الإسلام. لكن تسميتها "أمة" يحتاج إلى تحديد طبيعة هذه "الأمة" ودلالة "أمة إسلامية"، فالقرآن الكريم يستخدم مصطلح أمّة بسبعة معانٍ، أحدها فقط الجماعة القائمة على وحدة المعتقد، وهي هنا مشتقة من جذر أمّ أي تبع. وهذا جعلها "أمة" ذات طبيعة خاصة؛ المشترك بين أبنائها المعتقد الديني، ما يجعلها أقرب إلى الكيان المعنوي منها إلى الكيان الطبيعي، كما يحدده علم الاجتماع السياسي وأصحاب النظريات القومية. فالأمة الإسلامية ضمت بداخلها كيانات اجتماعية متعددة ومتمايزة ومختلفة، ضمت أمماً وشعوباً وقبائل لكل منها كيانها الاجتماعي المتميز، وتجربتها التاريخية الخاصة، كمعطى لسياق تاريخي واقعي حي نشأ بفعل قوانين موضوعية (نواميس بالمصطلح القرآني) تتحكم بمسار الظواهر الاجتماعية، انتقال جماعة بشرية من طور العشيرة إلى القبيلة إلى الأمة، انتقال مرتبط بنمط الحياة حيث يشكل الاستقرار في أرض معينة وتحولها إلى وطن خاص خاتمة مراحل تشكيل الجماعة كأمة، وقد أضاف دخول هذه الأمم والشعوب والقبائل في الإسلام بُعداً حضارياً إلى أبعادها التاريخية ومنحها مقدرة أكبر على مواجهة ظروفها الخاصة في إطار حضاري جديد أوسع (الدولة المشتركة) وأقدر على مواجهة المشكلات اليومية المعيشية والتنموية والامنية. لكن دخولها في الدين الجديد واندماجها في الكيان السياسي، الامبراطورية الإسلامية، لم يلغ كيانها الاجتماعي الخاص، لأنه وجود موضوعي يمكن أن يضاف إليه، يمكن أن يغتني ويتطور لكنه لا يمكن أن يُلغى، اندماج جعلها جزءاً من كيان سياسي تشترك فيه مع مكوناته الأخرى من الأمم والشعوب والقبائل بوحدة العقيدة وتختلف معها في التجربة الحضارية والإرث الاجتماعي.
أما الأمة، بمعناها الاجتماعي، فطبيعةٌ أخرى مختلفة؛ إنها واقعٌ اجتماعي، وإطارٌ جماعيٌّ لحل مشكلات البشر داخله. تنشأ كإطارٍ اجتماعي من اختصاص شعبٍ معيَّنٍ بأرضٍ معيَّنة، ومن تفاعل هذين العنصرين: الشعب والأرض، يقوم الإنتاج المادي والمعنوي، وتنشأ الثقافة، وتتبلور الشخصية القومية. وحيث إن الأمة كيانٌ اجتماعيٌّ واقعيٌّ، له كثافته وثقله ودوره في تنظيم وإدارة علاقات أفراده، فإنها تأخذ كامل أبعادها في إقامة مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية لإدارة المصالح المشتركة لأفرادها (الدولة الوطنية). وعندما يتطور تنظيم العلاقات، وتعتمد السلطة دساتير وقوانين مناسبة، وتتبع طرقَ إدارةٍ تُوازن أو تجمع بين مصلحة الكل ومصلحة أجزائه، من دون تمييز عرقي أو ديني أو جنسي، تغدو دولة-أمّة.
لقد استوعب الإسلام في داره أمماً وشعوباً وقبائلَ كثيرة، وكان الإسلام بالنسبة لها كيانها العقائدي المشترك، من دون أن يُحوِّلها كياناً اجتماعيّاً واحداً، حيث بقيت أمماً متعددة ومختلفة. من هنا كان طبيعيّاً ألّا تتعرب الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، بفعل كون العرب هم حملة الإسلام، وكون لغة القرآن الكريم العربية، وأن تأخذ ثوراتُ الشعوب غير العربية على الحكمين الأموي والعباسي (حين لم يكن العدل والمساواة بين شعوب الدولة المشتركة مُحقَّقَين) ثورَةَ الأطراف على المركز أبعاداً قومية، وُصفت آنذاك بالشعوبية، وأن تحملَ ثورةُ العرب ضد السلطنة العثمانية اسمَ الثورة العربية. وأنها—الأمم—لم تذهب، عندما ضعفت الدولة الإسلامية وتفككت، إلى التيه، بل كان لديها إطارها الاجتماعي الخاص الذي لجأت إليه لتواصل، مع بقاء شعوبها مسلمة، مسيرتها الخاصة في اتجاه حل مشكلات أبنائها المادية والمعنوية، في إطارٍ وطنيٍّ، مستخدمةً ما لديها من وسائل وتجارب وأدوات، بما فيها تجربتها الحضارية في ظل الإسلام.
يستدعي هذا التمييز بين الأمة العقائدية والأمة الاجتماعية نظرةً مختلفة عن السائدة في صفوف التيار الإسلامي. فالأمة، كوجودٍ اجتماعي/ قومي، ليست، كما يذهب بعض الإسلاميين، قوةً عنصرية، وليست، كما يذهب معظمهم، عصبيةً بغيضة يجب تركها، كما دعا إلى ذلك الرسول في إشارة غير موفَّقة إلى قوله عليه السلام "اتركوها فإنها نتنة"؛ ذلك لأن الحديث النبوي الشريف كان يتحدث عن العصبية القبلية في مواجهة الأخوّة الإسلامية. ويقود هذا التمييز إلى تمييزٍ آخر بين دور كلٍّ منهما في حياة الشعوب والبُنى السياسية التي تتفق مع كلٍّ منهما؛ ففي حين تفرض الأولى قيامَ دولةٍ وطنية (أو قومية، لا فرق)، فإن طبيعة الثانية لا تقود إلى دولة؛ فالدين لا يُقيم دولة، لأن قيامها ليس جزءاً من العقيدة، ولأن قيامها في التاريخ الإسلامي ارتبط بالضرورة الاجتماعية دون غيرها. أما اليوم، فإن قيام دولة على أساس الدين يتناقض مع نمط الدولة الحديثة السائدة في الاجتماع الإنساني، وتجربةُ الدولة في باكستان، والكيان الصهيوني، وإيران، التي قامت على أساس الدين، خير دليل على هذه الاستحالة، حيث تحولت الأولى إلى دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، بينما تعيش الأخيرتان في حالة قلق وعدم استقرار، وفي صراعٍ دائم مع محيطهما والعالم.
لا يقف التعارض عند حدود مفهوم الأمة وما يرتبه من نتائج متباينة في الحالتين المذكورتين، بل يمتد إلى مفهوم الدولة، حيث تُصرّ جماعاتُ الإسلام السياسي على إضافة صفة "إسلامية" إلى الدولة التي يسعون لإقامتها
كما يستدعي هذا التمييز تحديداً دقيقاً لثوابت الأمة التي يشيرون إليها، وبرنامجاً سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وثقافيّاً مختلفاً؛ لأن برنامجاً يستهدف حل مشكلات عينية لجماعة بشرية معيَّنة يجب أن يلحظ بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، وما تتطلبه أولاً وقبل أي شيء آخر، من دون أن يتجاهل بنيتها الثقافية، ناهيك عن الإطار السياسي الذي يُنظِّم علاقات أفرادها، أي الدولة الوطنية وحدودها ومواردها البشرية والمادية، بحيث لا يبقى البرنامج أسيرَ عمومياتٍ ومجرّداتٍ لا طائل منها، حيث تعددت شعارات الإسلاميين: "الإسلام دين ودنيا"، و"دين للدنيا"، و"دين وأمة"، و"دين ودعوة"، و"دين ودولة"؛ أو أسيرَ أهدافٍ مستحيلةٍ (دولة الخلافة) تُبدِّد الوقت وتستنفد الجهود في السعي وراء سرابٍ خادع. لعل المفكر الإسلامي الجزائري مالك بن نبي قد أدرك عمق الإشكالية التي تثيرها الدعوة إلى دولة إسلامية واحدة، فطرح فكرة "كومنولث إسلامي" يربط دول العالم الإسلامي ببعضها برباطٍ رقيق، كما هو حال دول الكومنولث البريطاني، باعتباره الأنسب لطبيعة الأمة الإسلامية الحقيقية لا المتخيَّلة.
لا يقف التعارض عند حدود مفهوم الأمة وما يرتبه من نتائج متباينة في الحالتين المذكورتين، بل يمتد إلى مفهوم الدولة، حيث تُصرّ جماعاتُ الإسلام السياسي على إضافة صفة "إسلامية" إلى الدولة التي يسعون لإقامتها، مع أن أول ميزات الدولة الحديثة حياديتها ووقوفها على مسافةٍ واحدة من جميع المعتقدات الدينية والسياسية، كونها تمثل الكل الوطني. وأن أنظمة الحكم، التي تتشكل من الأحزاب السياسية التي تُشكِّل الحكومة بعد فوزها بأغلبية برلمانية، وحدها يمكن وصفها بإسلامية أو ليبرالية أو اشتراكية.
لقد منع الالتفات إلى الماضي ظهورَ تصوراتٍ سياسية واقتصادية خارج النموذج التاريخي الذي أفرزته التجربة الحضارية الإسلامية، وربطَ كلَّ التصورات والبرامج بأشكالٍ وتنظيماتٍ إداريةٍ قديمة. وبقيت "الخلافة" أسلوباً في الحكم، مسيطرةً على المخيال الإسلامي، رغم ما حصل في ظلها، بعد تحولها إلى مُلكٍ عضوضٍ ووراثي، من مآسٍ وكوارث سياسية واجتماعية. فالخلافة وهي نظام الحاكم الفرد، تمنح الخليفة سلطةً مطلقة مدى الحياة، وليست نموذجاً إسلاميّاً للحكم؛ وقد اعتبرها طه حسين نموذجاً عربيّاً للحكم. وقد أبدعت الإنسانية أساليبَ أخرى أقدر على خلق حالة رضى لدى المواطنين عبر إشراكهم في صنع القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ما أتاح نمو الشخصية الإنسانية وتطورها، وزيادة إبداعها وإنتاجها المعرفي والسلعي.
