عربي
لسنا مملكة ليحكمنا تلقائياً ابن الملك الراحل، ولسنا في زمن الأنبياء ليرسل الله إلينا إشارات واضحة تدلّ على المختار الذي سنطيعه. ولسنا "واحة الديمقراطية" في صحراء الشرق الأوسط لنستبدل رؤساءنا إذا ما قبلوا هدية تزيد عن إبريق خزف.
نحن واحدة من تلك البلدان التعيسة التي ما زالت تحاول تلمّس طريقها منذ قرن، تسمّي نفسها جمهورية، فيما يستطيع أي عسكري بثلاث دبّابات أن يقلب البلاد على رأسها، ثم يتصرّف وكأن الله أرسله إلينا من القمر، ويستطيع مرّة أخرى (بدبابات أكثر من ثلاث) أن ينقل من قبره الحكم تلقائياً إلى الذكر الأكبر من أبنائه.
يستطيع مجموعة من الشيوخ أن يطالبوا بدولة علمانية، ومجموعة من شيوخ آخرين أن يتحدّثوا عن احترام القانون وهيكلة المؤسّسات، يستطيع عابر طريق أن يلبس بزة مرقّطة ويسمي نفسه قائداً، ثم يتحدّث باسم الجماهير. يستطيع شخصٌ واحدٌ أن يختار خمسة أشخاص، ويكلفهم أن يختاروا ألف شخصٍ ليختاروا 150 شخصاً. ويتفق الـ 1156 شخصاً على الاحتفال بالعرس الديمقراطي، ويدعون الآخرين إلى مشاركتهم الاحتفال، والبدء باستخدام مفرداتٍ مثل نواب وممثلي شعب وإرادة جماهيرية.
نستطيع جميعاً أن نتراشق تهمة اللاشرعية كما تتراشق فتيات مدرسة ثانوية النظرات. أو فتيان المدينة الجامعية بوالين الماء. ونقول عن شخصٍ ما إنه لا يمثل أشخاصاً ما (وهو بالفعل كذلك)، على أساس أن القائل فاز في انتخابات 1954 بفارق صوتين عن خالد بكداش وثلاثة عن مصطفى السباعي. أو أن اسمه جاء في مخطوط سرّي عثرنا عليه تحت بحيرة طبريا (وهو حتماً لا هذا ولا ذاك).
كي يهون علينا التفاهم في وقتٍ ما، لنعترف أننا جميعاً سلطات أمرٍ واقع، من هم في السلطة، ومعهم أصحاب المناصب الحكومية، السلطات المسيطرة في المناطق المختلفة، الشيوخ الذي يعتقدون أنهم يمثلون جماعاتهم، لأنهم عالقون بوهمٍ أقدم يظن الطوائف جماعات متجانسة، نحن الذين ندير صحفاً وتلفزيونات ومواقع إلكترونية أو نكتب فيها متحدّثين باسم "الجماهير" وعنها. ومعنا كل زعيم حارة وشيخ عشيرة وحامل بندقية ومدير جمعية خيرية ومنظمة مدنية.
كلنا جاء بنا الفراغ وغياب السياسة، فملأنا الفضاء العام بعبارات "القذى في عين أخينا" وتجاهل "الجذع في عيننا". فالمدينة الفلانية عادت إلى أهلها (والمقصود نحن بالطبع). دخلها الغرباء (هم بالطبع)، من تمثّل أنت؟ بل من تمثّل أنت؟ أنت تصادر إرادة الناس وتدّعي تمثيلهم. أصلاً هم ليسوا من أهل هذه الأرض، جاؤوها أمس، منذ 600 سنة فقط ولا يمكن اعتبارهم من هنا. فليعودوا من حيث جاؤوا، وجودهم غير شرعي. وحتى لو قبلنا بوجودهم تجاوزاً، فهذا الرجل لا يمثلهم لأنه يضمر دعوات الخروج عن الشرعية.
من أين نأتي جميعاً بهذه الفكرة؟ نستسهل وصم الآخر بأنه غير شرعي، أو أنه لا يمثل أحداً.
لنتذكّر أننا سوريون، وأن آخر شخص انتخبناه كان اسمُه شكري القوتلي، وقد حدث ذلك قبل سبعين عاماً. صحيح أنه حملنا في جيبه، وذهب بنا إلى القاهرة، وقف أمام جمال عبد الناصر، وضعنا على طاولته وقال له: تسلَّم. لكننا كنّا قد انتخبناه في 1955 بآلية أقرب ما تكون إلى ما قرأناه في الكتب النظرية عن الديمقراطية والتمثيل.
بعده لم ننتخب أحداً، لا في برلمان، ولا قصر رئاسي، ولا بلدية، ولا حتى عريف صفٍّ في مدرسة ابتدائية.
