عربي
عاد عثمان أحمد رمضان، أمس الاثنين، إلى منزله في حي الأشرفية بمدينة حلب شمالي سورية، بعد أسبوع طويل من النزوح القسري، محمّلاً بمشاعر يصعب على الكلمات وصفها. يروي عثمان كيف خرج مع عائلته على عجل، تاركين خلفهم كل شيء، فيما لم يفهم أطفاله سبب الرحيل المفاجئ إثر الاشتباكات التي دارت بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والجيش السوري.
يقول عثمان لـ"العربي الجديد": "كانت الأيام أصعب من الموت، لم أكن أعرف كيف أطمئن أولادي بينما قلبي يعتصر خوفاً". في تلك الشوارع، تكشفت هشاشة المدنيين، وأصبح كل يوم معركة من أجل مأوى مؤقت وطعام، وسط حرص الأباء على ألا يشعر الأطفال بالانكسار. وتفجرت الأحداث في حلب الثلاثاء الماضي، إثر هجمات لـ"قسد" من مناطق سيطرتها في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد على أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش في حلب، ما أسفر عن قتلى وجرحى ونزوح 165 ألف شخص.
في حي آخر، عاش محمد علي وهو من الأكراد تجربة مشابهة، لكنه وجد في ظروف النزوح جانباً مضيئاً من التضامن الإنساني. ويقول لـ"العربي الجديد": "شعرت بأن الجيران أصبحوا جميعاً واحداً، لا فرق بين عربي وكردي، فالجميع يبحث عن الأمان نفسه". وخلال أيام النزوح، تحولت الفنادق ومنازل الأقارب إلى ملاذات مؤقتة، لكن الروابط الإنسانية كانت "طوق النجاة" الحقيقي في مواجهة الخوف.
قافلة العائدين إلى الأشرفية
وصباح الاثنين، وصلت "قافلة العائدين" إلى حي الأشرفية، مقلةً نحو 700 عائلة أنهكتها أيام التهجير، بمن فيها من كانوا يقيمون في مراكز الإيواء أو لدى أقاربهم. كانت لحظة الوصول مليئة بالمشاعر المختلطة بين الفرح والارتياح، بينما ركض الأطفال في الشوارع يتفقدون بيوتهم بعد غياب، فيما تبادل الكبار النظرات وكأنهم يتأكدون من أن هذه العودة حقيقية وليست حلماً عابراً.
وقال ياسر نبهان، من مكتب المتابعة في "الكتلة الرابعة" بمحافظة حلب، لـ"العربي الجديد"، إن العودة تمت طوعياً وبمرافقة فرق مشتركة من إدارة منطقة عفرين ومحافظة حلب ومنظمات المجتمع المدني، مؤكداً أن المحافظة وفّرت لكل عائلة المستلزمات الأساسية من أدوية ومساعدات غذائية لتسهيل عودتهم. وأضاف أن هذه الجهود تأتي بعد استقرار الوضع الأمني في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، مشيراً إلى أن العمل مستمر لتثبيت دعائم الأمن وإعادة الحياة المدنية تدريجياً.
وخلال وصول القافلة، عبّر العديد من الأهالي عن فرحتهم، واختلطت الدموع بالضحكات وهم يدخلون بيوتهم مجدداً. وقالت أم لطفلين إنها لم تتخيل أن ترى صغارها يلعبون في فناء المنزل مجدداً بعد هذه التجربة القاسية: "كل خطوة نحو البيت كانت كأننا نولد من جديد؛ كنا نخاف أن نترك المكان خالياً للأبد، لكن الأمن أعاد لنا الأمان".
ورغم اختلاف خلفياتهم، وجد عثمان ومحمد في العودة ما يشبه استعادة الكرامة. فبينما يراقب عثمان أطفاله وهم يحاولون استعادة روتينهم اليومي، يرى محمد في فرحة عائلته إشارة أمل بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. ويقول محمد: "نريد مستقبلاً أفضل لسورية وللشعب، وأن يعيش الأطفال حياة طبيعية في بيوتهم دون خوف أو تهجير".
تتشابك قصص العائدين ضمن القافلة لترسم صورة واحدة للمدنيين في سورية؛ بين الخوف والحنين، والألم والتضامن. مدنيون من خلفيات مختلفة يسيرون اليوم على الطريق نفسه، يتطلعون إلى حياة طبيعية، وبيوت لا تُترك على عجل، وأطفال يدركون أن المنزل هو المكان الآمن، وليس محطة مؤقتة في رحلة تشرد بلا نهاية.
