عربي
ركب العلامة والشاعر الشنقيطي محمد فال بن باب العلوي في شهر يونيو/ حزيران 1889 سفينة "السنغال" البخارية في رحلة الحج إلى مكّة، مخلفاً وراءه دموع محبيه، وأملهم الشحيح في عودته، بعدما خاطر وركب "البابور" في بحر الظلمات (المحيط الأطلسي).
كان يمكنه الذهاب في طريق الحج المغربي البري، وأن يقطع خمسة آلاف كيلومتر من المشقة واحتمالات الهلاك على مدار ثمانية أشهر وأكثر، لكنه اختار البحر الذي يخشاه الشنقيطيون، وأن يركب سفينة تجري بقوة البخار الجديدة العجيبة، وقد ذاع في شرق الوطن العربي وغربه هذا النوع باسم "البابور" من Vapour الإنكليزية، والفرنسية Vapeur.
وعلى الرغم من امتداد الساحل على المحيط، ظلّ البحر فضاء مخيفاً في المخيال الشنقيطي. لم يكن خوفاً من الموت، بل من الامحاء الكلي بلا أثر. الصحراء، على قسوتها، مفهومة، وسرديتها مألوفة. يعرف عطشها ولصوصها والموت فيها، أما البحر فما من علامات تحدده.
بلا يابسة
حتى حين أفتى فقهاء بإسقاط فريضة الحج عن سكان هذا المجال، وترك بعضهم تدريس أحكامه. في هذا السياق، يصبح اختيار البحر فعلاً استثنائياً، لا بحثاً عن طريق أسهل، بل قفزاً خارج العادة، واختباراً روحياً كاملاً، تسلّم فيه النفس إلى الماء بلا يابسة، اتكالاً على الله وحده.
بعد 136 عاماً قرر الحفيد الكاتب الموريتاني عبد الله ولد محمدي أن يتقفّى مسار الجدّ، فجاء كتاب "رحلة الحج على خطى الجد" (المركز الثقافي للكتاب، 2025).
ترك الجدّ مؤلفات عديدة، وشعراً وفيراً، ومخطوطة الرحلة، ثم أوراقاً متفرقة بينها ما كتبها في فاس، وهذه الأخيرة كانت عند محمدي كما الشرارة التي قدحت المشروع كله فصاح كما يورد "وجدتُها" كما صاح كولومبوس حين لمح اليابسة الأميركية لأول مرة، ولا أعرف مصدراً أحال "وجدتُها" إلى كولومبوس، فضلاً عن أن لصاً ومجرم حرب مثله ليس من المناسب التمثل به في رحلة حج سلمية.
معارضة نثرية
من هنا يبدأ النص، لا من المخطوطة وحدها، ولا من التجربة الشخصية وحدها، وإنما من كتابة نثرية تشبه المعارضة الشعرية من جانب، وتستند إلى ما دوّنه الجدّ محمد فال بن باب العلوي المولود عام 1849 والمتوفى عام 1930.
قال الجدّ ما قاله، وكتب ما كتبه، وقيل عنه وكتب الكثير بسبب قيمته العلمية والأدبية التي نلمسها طوال رحلته ونزوله في أماكن مختلفة، ومن ذلك أن السلطان الحسن الأول سلطان المغرب استقبله في فاس للتبرك منه، وحين وصل إلى مصر وجد تقديراً وحفاوة.
ترك الجدّ مؤلفات عديدة، وشعراً وفيراً، ومخطوطة الرحلة
تعامل الكاتب مع زمنين في نص واحد، لكنه أعاد مونتاج الرحلة واليوميات على طريقته، حتى يكون الزمنان سائلين، يدمجان نصاً مخطوطاً مستعاداً، وتأليفاً صحافياً، ومسحة من التخييل الروائي تملأ الفراغات مع تقدير الحفيد أن أي ملء من عنده، سيخدم صورة واقعية ومحترمة للجدّ.
استرجاع سردي
إذاً، لم يفتتح الكتاب بانطلاق الجدّ من ولاية الترارزة، إنما من لحظة وصول السفينة إلى طنجة قادمة من بور سعيد، عقب أداء مناسك الحج، معتمداً على تقنية الاسترجاع السردي، من خاتمة الرحلة ثم العودة زمنياً إلى الوراء.
هذه الرحلة مدونة بخط يد العلوي، وتحكي عن شهرين على الأقل وصولاً إلى الحجاز ثم العودة، إلا أن الزمن امتد بعيداً، فلم يرجع إلى دياره فوراً، بل تحرك من طنجة باتجاه الرباط، فقضى هناك خمسة أشهر ملازماً معلّمه العربي بن محمد السايح، قطب الطريقة التجانية في المغرب، الذي كان في أواخر أيامه.
ثم جاءت فاس مقر الزاوية التجانية الكبرى المدفون فيها مؤسسها الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد التجاني.
عقد الكاتب والقارئ
عندما اقترب السرد من النفَس الروائي، لم يصرّح الكاتب بذلك. لم يعلن انتقاله إلى التخييل. والمطالبة بالتصريح أين يبدأ وأين ينتهي تبدو غير منطقية. لكن التخييل الروائي في المقابل هو عقد بين الكاتب والقارئ، وعليه لا يجوز مثلاً إسقاط مصطلحات أو حساسية أخلاقية أو سياسية لم تكن ممكنة في زمن الجدّ، من دون إشعار نقدي أو مسافة تفسيرية.
السؤال النقدي يقول: إلى أي حد يمكن قبول هذا التداخل دون أن يضيع القارئ بين ما عاشه الكاتب وما تخيّله، وما نقله.
لو أن الرواية قالت منذ البداية إنها رواية لوقّع القارئ فوراً عقداً مع الكاتب دون تردد. لكن محمد فال بن باب العلوي علم معروف يتحدث إلينا، يخبرنا بما دوّنه، ومن المهم هنا، ومن حق القارئ معرفة أنه أمام شاهد العيان، الرحالة، الحاج باسمه الرباعي الموثق، في مكة أو فاس أو الإسكندرية، أو أن الحفيد يكتب ويبدع من رأسه وسنتلقى ذلك بمحبة وترحيب.
على سبيل المثال: هل كان في سانت لويس المدينة الاستعمارية، فينيسيا أفريقيا، على مصب نهر السنغال، لبنانيون موارنة وشيعة بالحرف كما يورد الكتاب، ومتى؟ في القرن التاسع عشر.
هل الجدّ من استعمل هذه الصفات في زمن كان اللبناني ضمن الرعية العثمانية وجزءاً شامياً. هل شاهد الجدّ ودوّن السلوكيات العجيبة لشريف مكّة عون الرفيق ومنها جلْبه المجذوب علي بو الذي كان يدور عارياً في الطرقات، وإلباسه أفخر الملابس وإرغام أعيان مكة على تقبيل يده، أو المشهد المسبوك الذي يُطعم فيه الشريف جمل المحمل المصري التين واللوز والسكر، والناس يهجمون لجمع ما ينتثر من شدقي الجمل لعملها تمائم غالية الثمن. الكتاب لا يقدّم جواباً، ويترك المسألة مفتوحة، وفتحها ليس خياراً فنياً في رأيي، بل إخلال بالعقد.
طيف المتعة والفائدة
مع ذلك توافرت القراءة على طيف من المتعة والفائدة، خصوصاً في سلاسة عرض مسار الرحلة من الترارزة إلى الجنوب الغربي نحو مدينة سانت لويس ثم بالقطار الذي يركبه الجدّ لأول مرة، ثم السفينة الرابضة في ميناء دكار، حتى مرسيليا والإسكندرية وجدة ثم العودة والمكوث في المغرب أضعاف شهري رحلة الحج.
وإلى جانب علمه في اللغة والتصوف كان يطلّ على جانب من الخبرة الطبية، فيقول عنه ابن الأمين في "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط" إنه "كان على معرفة بالطب. رأيته يبنّج الناس وأظنه تلقاه عن أطباء المشرق لمّا حج".
تعامل الكاتب مع زمنين في نص واحد، وأعاد مونتاج الرحلة
الذين ودّعوه في بلده ظلوا يرقبون صف الجمال المتجهة نحو الجنوب الغربي لمدة يوم في الصحراء، "وكيف ارتسمت ظلال القافلة التي بدت تحت أشعة الشمس الأولى كأنما معلقة على حافة السماء".
ترد في الكتاب تسميات المنكب البرزخي، وشنقيط وبلاد المغافرة، وهي ضمن تسميات عديدة مثل بلاد حسان وبلاد التكرور، وصحراء الملثمين عرفت بها موريتانيا التسمية الأخيرة التي فرضها المستعمر الفرنسي.
حين ركب الجدّ ولأول مرة القطار "سفينة البر" الأفعوانية من سانت لويس إلى دكار مسافة قرابة 200 كيلومتر، دعا الله أن تعود "ندار" (النون ساكنة) إلى دار الإسلام ويمحى اسم "سانت لويس" التي أقامها المستعمر على اسم الملك لويس التاسع، وهو من قاد حملتين صليبيتين ضد بلاد المسلمين.
الأسماء التي نرثها عزلاء، بينما الاستعمار الحداثي الصناعي العنصري المتجبر، سيسعى دائماً لكتابة أسمائه، ويفرضها بالبارود والقانون.
بعد بضع سنوات ستصبح سانت لويس عاصمة الغرب الأفريقي الفرنسي، ومن ذلك بلاد شنقيط، التي للأسف لم ينفعها دعاء الجدّ، الذي لم يكن لديه "شيء من القطران" يسند دعاءه.
باتت منذ 1902 تحت نير الاستعمار، وفُرض عليها اسم روماني لم تعرفه من قبل: موريتانيا.
