مخيّم اليرموك بعد سقوط الأسد
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
لا يمكن النظر إلى مخيّم اليرموك، عاصمة الشتات الفلسطيني في سورية، بوصفه مجرّد مساحة تتطلّب إعادة إعمار، ولا كتلة بشرية تنتظر عودة مؤجّلة. إنه اليوم سؤال تمثيل قبل أن يكون سؤال بناء: فحيث دُمِّرت البيوت تهدّمت أعمدة السياسة، وإلى جانب نهْب حياة الناس وأملاكهم، نُهب حقهم في صوتٍ يُسمَع ويُحاسِب من تواطأ أو صمت. في أوج نكبة فلسطينيي سورية عموماً، و"اليرامكة" منهم خصوصاً، كانت الحقائق متوافرة: حصار، جوع، مرض، تهجير، وانتهاكاتٌ ماثلةٌ للعيان. ومع ذلك، تُرك مخيّم اليرموك بلا تمثيل فاعل قادر على المساءلة. أعلن النظام السوري الساقط أن "الإرهاب" احتل مخيّم اليرموك، وردّدت فصائل فلسطينية موالية المنطق نفسه، وتواطأت في جريمة حصار المخيّم، فيما تذرّعت السلطة الفلسطينية بأنها لا تمثّل فلسطينيي سورية، وبقيت مؤسّسات منظمة التحرير تدور في حلقة تعطيلها المعتادة. غاب من وجع مخيّم اليرموك ممثّل سياسي يقول بوضوح: هذا انتهاك. بعد سقوط نظام الأسد، بدا أن نافذة يمكن أن تُفتح لإعادة بناء تمثيل جديد لفلسطينيي سورية يتحرّر من منطق الوصاية، يولد من الناس لا من التعيين، ويستند إلى التفويض الشعبي والمحاسبة، لا إلى اعترافٍ من فوق. لكن ما يظهر اتجاه معاكس: إعادة ترتيب التمثيل عبر قنوات رسمية مغلقة، كأن المطلوب استعادة امتيازات النُّخب. وجود قنوات رسمية مطلوب، فأيّ مجتمع يحتاج أطراً تنظّم مصالحه وتدافع عن حقوقه، لكن المشكلة في أن تصبح هذه الأطر نافذةً وحيدة، فتُعاد صناعة منطق قديم بوجوه جديدة تُفرض أمراً واقعاً، ويُعامل فلسطينيّو سورية ملفاً إدارياً لا مجتمعاً سياسياً. منذ مطلع 2026، الذي أعلنه رئيس السلطة الوطنية محمود عبّاس "عام الديمقراطية الفلسطينية"، ظهرت محاولة تنشيط متزامنة لاتحادات ونقابات فلسطينية في سورية: محامون، كتّاب، مهندسون، معلمون، عمّال… ظاهرياً يبدو الأمر عودة إلى الحياة العامة، وربما حمل بعضهم نيّات مطلبية صادقة، لكن السؤال المرّ: أين كانت هذه الأطر حين كان اليرموك يُدمَّر؟ ولماذا تعود الآن بهذا الحضور السياسي الكثيف؟ هل تُستعاد لتؤدّي وظيفةً نقابيةً أم وظيفةً تمثيلية؟ في الواقع، لا يأتي هذا التنشيط ضمن مسار إصلاح مؤسّسي مُعلَن يُعيد بناء منظمة التحرير على أسس تمثيلية شفّافة تشمل الشتات بوصفه ركيزةً لا هامشاً. فلا خريطةَ طريق: معايير عضوية، وانتخابات حقيقية، ومدد تفويض محدّدة، ومساءلة عمّا جرى في ساحات اللجوء. لذلك يبدو التنشيط بديلاً من الإصلاح لا جزءاً منه، وتدويراً للأسماء بدل إعادة تعريف الشرعية. جذر العطب عميق، فكثير من هذه الاتحادات لم تُبنَ لتكون مؤسّسات مهنية مستقلة، بل نشأت ضمن سياق سياسي فصائلي أنتج هياكل تُعيد إنتاج الولاء وتُعزّز النفوذ أكثر مما تخدم قواعدها. لذلك كانت "الانتخابات" أخيراً طقساً إدارياً: تسليماً وتسلماً، لغة عامة عن "تطوير الآليات"، ثم لا برنامج عمل مُعلَناً، ولا شفافية، ولا محاسبة. ومع الفقر وتراجع الخدمات وتعثّر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، يخشى أن يصبح التنظيم مورداً: توصية، مساعدة، توقيع، ترخيصاً… فتغدو النقابة شبكة مصالح بدل أن تكون عقداً اجتماعياً. وإذا تزامنت استعادة هذه الأطر مع استحقاقات تمثيلية داخل منظمة التحرير، سيؤول الأمر إلى حجز مقاعد باسم العمّال والمعلمين والمرأة… لا حمايتهم. ومع الحديث عن اجتماع للمجلس الوطني قد يُعقد هذا العام مع تقليص العدد (350 عضواً، 200 من الداخل و150 من الشتات) وترجيح التوافق بدل الانتخاب، قد يغدو "إحياء" النقابات أداةَ تعبئةٍ وتسمية ممثلين، لا أداة تمكين مجتمعي. المطلوب هو إعادة بناء مؤسّسات تمثّل الفلسطينيين وتوسّع مشاركتهم النقابية والمدنية، وتعيد تمكين مجتمع فلسطيني في سورية محتاج إلى بنى جديدة تستجيب لاحتياجاته: العمل، التمكين الاقتصادي، العودة الآمنة للمهجّرين، الحماية الاجتماعية، وإعادة بناء المخيمات، وفي مقدّمها مخيّم اليرموك (يتجاوز الدمار 70%). هذا يتطلّب إرادة لإطلاق إصلاح مؤسّسي يعيد السلطة لمجتمع الشتات، والفاعلية للمؤسّسات، والدور للمهنيين والشباب، والاعتبار للهُويّة الفلسطينية. فلا معنى للحديث عن مستقبل الشتات الفلسطيني في سورية بعيداً عن سؤال: أيُّ تمثيل نريد؟ الفارق بين تمثيل يرمّم المشروع الوطني وتمثيل يرمّم النفوذ هو الشرعية: انتخابات حقيقية، تفويض محدّد المدّة، شفافية ومحاسبة، وإلا بقي المشروع الوطني مؤسّسة توزيع حصص (كوتا)، وظلّ المخيّم جرحاً يُنكأ باسم "السياسة".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية