التدريب الأخير...ملاك سفن متهالكة يستدرجون طلابا بحريين إلى حتفهم
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يكشف تحقيق "العربي الجديد" الاستقصائي عن استغلال ملّاك سفن متهالكة طلبة الأكاديميات البحرية الباحثين عن فرصة تدريب عملي، عبر الزجّ بهم إلى مراكب معطوبة ترفع ما تسمّى بأعلام دول المنفعة، للتهرّب من احتياطات السلامة. - لإنهاء متطلبات التخرج والحصول على المؤهل الدراسي، سعى العشرينيّ المصري سامح سيد شعبان، الطالب في الأكاديمية البحرية الأردنية، إلى البحث عن فرصة تدريب عبر سمسار يُدعى يوسف التقاه بواسطة صديق في محافظة الإسكندرية، فقدّم له عرضاً وصفه بـ"فرصة عملية لا مثيل لها"، إذ كانت مقرونة بمكافأة مالية قدرها 3800 دولار يحصل عليها شعبان بعد انتهاء التدريب الإلزامي على متن المركب التجاري M/V:CHANGHE المملوك لشخص سوريّ الجنسية (تتحفظ الجريدة على اسمه)، حصل "العربي الجديد" على صورة من جواز سفره. بالفعل، بدا العرض مغرياً لإنهاء هذا الإجراء الدراسي الأخير والروتيني، فوافق شعبان غير مدرك أنّ قراره سيزج به في مأساة، إذ انتهت الرحلة بفقدانه وشخص آخر بينما نجا الآخرون بأعجوبة إثر غرق المركب في المحيط الهندي قبالة السواحل الصومالية في 14 يوليو/ تموز 2022. تفاصيل الرحلة الأخيرة، وثقها "العربي الجديد" عبر صور الأقمار الصناعية ومنصة تتبع حركة الملاحة العالمية MarineTraffic، التي نقلت خط سير السفينة M/V:CHANGHE المحملة بشحنة من الحديد تزن 4000 طن، وانطلقت في رحلتها تحت علم سيراليون في الأول من مايو/ أيار 2022 من ميناء شنغهاي في الصين، وكان يفترض أن تحطّ رحالها في أوساكا باليابان، وعلى متنها شعبان وطالبان مصريان متدربان آخران، عملوا ضمن طاقم ضمّ 12 فرداً، أربعة منهم مصريون والبقية سوريون. ولم يكن غرق المركب حادثاً عرضياً، إذ ثمة وقائع خطيرة قادت إلى الكارثة، وفق إفادة شقيقة سامح، أميرة شعبان التي قالت لـ"العربي الجديد"، :"غادر الطاقم المصري مطار القاهرة في 15 فبراير/شباط 2022، ليلتحقوا بالسفينة، وفي مايو 2022، وبعد وصول المركب إلى سريلانكا، أجرى مهندسٌ معاينةً فنية، وبناء على مؤشرات تقنية حذر أن السفينة ستغرق لا محالة، ما دفع الطاقم لمطالبة المالك بالعودة إلى أقرب ميناء وعدم استكمال الرحلة، لكن ردّ المالك كان صادماً"، "جوازات سفركم معي، ومَن يريد العودة عليه دفع 5 آلاف دولار"، وبذلك ظلّ الطاقم شبه محتجز على متن السفينة في ظروف قاسية، مع رفض المالك الرسو في أيّ ميناء. وهي وقائع وثقها التحقيق عبر رسائل شعبان لشقيقته قبل غرق المركب واختفائه، مبدياً وزملاؤه قلقهم مما يجري، فأرسل لشقيقته صوراً ومقاطع فيديو للعيوب المستشرية في بنية السفينة، بما يعزّز فرضية أن الكارثة كانت نتيجة إهمال وإكراه وفق آخر اتصال بينهما في 5 يوليو 2022، بينما كانت السفينة قد وصلت إلى الساحل الغربي للهند.   استغلال طلاب عديمي الخبرة عرض "العربي الجديد" المقاطع المصوّرة التي توثق الحالة المتردية للسفينة، على الربان بحري وليد جمعة، وهو قبطان سفن شحن تجارية، وعبر المعاينة أكد أن هيكل المركب يعاني من ثقوب عديدة وتهالك شديد ما يجعلها غير صالحة للإبحار، وفي حال أراد المالك تشغيلها كان يجب عليه تغيير هيكل السفينة كاملاً، وتلافي العيوب الموجودة كافّة وهو ما لم يجرِ، ما أدى إلى تسرّب المياه، مؤكداً أن حالتها العامة لم تكن تسمح بالإبحار إطلاقاً، خاصة مع تعطل مضخات السحب وهو ما وثقه شعبان بفيديو وطلب من شقيقته الاحتفاظ به. هذا العطل أسهم في دخول المياه إلى عنابر السفينة ما أحدث خللاً في اتزانها، وهنا رجح الربان جمعة، أنّ حمولة الشحنة الزائدة عن قوة الطفو ساعدت على غرقها، وفي ضوء خبرته، يؤكّد أن مُشغّل السفينة والقبطان وكبير المهندسين وكبار الضباط لا بدّ أنهم على معرفة تامة بحالة المركب، وأنّ سماحهم بإبحارها رغم ذلك يعد جريمة، إذ لا يمكن لسفينة أن تبحر دون علم هؤلاء الأطراف بحالتها. لكن الأمَرّ أن المالك والقبطان الأول، أحمد بلقيس، سوري الجنسية، تخليا عن المركب في مايو 2022 أثناء الرحلة وتحديدا بعد وصولهم إلى سريلانكا، وذلك بعد أن تأكدا وبقية الطاقم من عدم صلاحية السفينة للإبحار، وتبعهما قبطان ثانٍ يُدعى مصطفى، سوري الجنسية أيضاً، رفض قيادة "مركب غارق" وغادر هو الآخر بصحبة صديق سامح في يونيو 2022 بعد ظهور فتحات واضحة في هيكل السفينة انكشفت إثر سقوط الطلاء الذي كان يخفيها، واضطر المالك حينها إلى إرسال قبطان ثالث يُدعى زكريا لإكمال الرحلة المشؤومة. 30 % من ضحايا المراكب المتهالكة طلبة متدربون تكشف هذه المعطيات أن الطلبة المتدربين كانوا الضحية الأسهل في هذه المنظومة، إذ إنّ طبيعة الأعطال التي شابت المركب من تعطل مضخات السحب واختلال الاتزان وزيادة الحمولة هي عيوب فنية لا يمكن لطلبة عديمي الخبرة اكتشافها، أو تقدير خطورتها، ومع ذلك أُقحم هؤلاء الطلبة في رحلة محفوفة بالمخاطر، بحسب جمعة. واللافت للنظر أن المركب، ورغم حالته المتهالكة، عبر عشرة موانئ خلال الفترة الممتدة من 12 ديسمبر/كانون الأول 2021 حتى 1 مايو 2022 من دون أن يتم إيقافه، فيما لم تظهر أي مخالفات تتعلق بالسلامة مسجلة في قاعدة بيانات Equasis. وشهدت الفترة بين عامَي 2014 و2025 نحو 220 حالة وفاة وإصابة بين البحارة المصريين على متن سفن متهالكة وغير صالحة للإبحار، و30% من الضحايا كانوا من طلبة الأكاديميات البحرية قضوا أثناء تدرّبهم على سفن بضائع عامة قديمة ترفع أعلام دول المواءمة (المنفعة)، ويعني المصطلح الدولَ التي تسمح بتسجيل السفن الأجنبية تحت علمها بشروط سهلة وكلفة أقل، و"لكنها غالباً ما تفتقر لمعايير الأمن والسلامة"، بحسب الربان السيد الشاذلي النجار، رئيس النقابة المهنية للضباط البحريين، وممثل الاتحاد الدولي لعمال النقل البحري (ITF) في مصر، وممثل عمال البحر في التصديق على اتفاقية العمل البحري، مرجعاً صعوبة حصر الضحايا إلى تحايل السماسرة الذين يشغلون البحارة من خارج القنوات الرسمية وبعيداً عن رقابة النقابة. سماسرة التدريب لم يكن شعبان وزملاؤه الحالة الوحيدة لاستغلال البحارة على متن سفن غير صالحة للإبحار، إذ يروي العشريني محسن محمد (اسم مستعار بناء على طلبه) تجربته القاسية على متن سفينة الشحن "Jasmin Queen"، التي كادت أن تودي بحياته أثناء رحلة خاضها لإنهاء التدريب واكتساب الخبرة، ضمن طاقم مكون من 22 بحاراً، بينهم مصريان و19 سورياً، وهنود، ويضيف محسن أنّه دفع 5 آلاف دولار لسمسار تعرف عليه في الإسكندرية لتأمين هذا التدريب، لكن كانت الصدمة، أن السفينة المملوكة لسوري، وتبحر بعلم الكاميرون، وبُنيت عام 1994 بحسب بياناتها على MarineTraffic، كانت متهالكة وغير صالحة للإبحار، وبتتبع خط سيرها، انطلقت الرحلة في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 من تركيا إلى أوكرانيا وصولاً إلى لبنان، و"كانت رحلة من الرعب" وفق وصف محسن نتيجة تكرار أعطال المحرك والأجهزة في عرض البحر، ورفض المالك إيقاف الرحلة أو توفير الطعام، وتلك المخاطر دفعته لعدم العمل مجدداً في هذا المجال، خاصة بعد ما تعرّض له صديقه سامح شعبان وزملاؤه. أما السفينة فجرى تفكيكها وبيعت لاحقاً لشركة أجنبية. السفن التي ترفع أعلام دول المنفعة الأكثر غرقاً وتحطماً ويصف النجار السماسرة بأنهم "سرطان" في المجتمع البحري، إذ يحرمون أضعف الفئات في الطاقم، من حقوقهم ويستغلونهم مادياً، بل و"يبيعون البحار لمالك يشغله على سفن متهالكة"، مشيراً إلى فئة من السماسرة دائماً ما يتعاملون مع ملاك السفن المتهالكة أو المعدة للتقطيع وليس مع الشركات الموثوقة. ولفت إلى وجود فئتين من الأكاديميات البحرية: الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، وهي مؤسّسة معتمدة في مصر، في مقابل أكاديميات أجنبية وعربية أخرى في دول مثل روسيا والأردن، والمشكلة أن تلك الجهات غير معترف بها مصر، ومع ذلك تستقبل طلاباً لا تنطبق عليهم معايير القبول في الأكاديمية المصرية، كحاملي الدبلومات الفنية أو شهادات الثانوية العامة من الشعبة الأدبية، في مقابل رسوم مالية، وهؤلاء يفقدون فرصة الحصول على تدريب مهني سليم، وعوضاً عن ذلك يخوضون عملية تأهيل على سفن تغيب عنها معايير السلامة، وتعمل في بيئة تفتقر للمساءلة والتطبيق الكامل للاشتراطات البحرية، مضيفاً أن الأكاديمية المصرية لديها مشكلة أخرى، إذ لا توفر فرص التدريب إلّا على سفينة واحدة فقط وهو ما لا يتناسب مع عدد الخريجين من القباطنة والمهندسين سنوياً المقدر تعدادهم بنحو 2000 خريج. وعن لجوء الطلاب إلى السماسرة، أوضح جمعة أن الأكاديميات البحرية تشترط على الطالب قضاء سنة تدريبية إلزامية، فإذا تدرب الطالب المصري على متن السفينة التابعة للأكاديمية العربية، فإنه يحصل على ستة أشهر تدريب فقط مع اشتراط دفع مبلغ قد يصل إلى 250 ألف جنيه، مما يضطره إلى البحث عن سفينة أخرى لاستكمال المدة المتبقية بتكلفة إضافية، وهذا يدفع الطالب إلى البحث عن سفينة توفّر له فرصة التدريب لمدة عام كامل بدفع المبلغ مرة واحدة، وهو ما يجعله يتواصل مع السماسرة، كما تفضّل معظم الشركات توظيف أشخاص مؤهلين ذوي خبرة وليسوا طلاباً، بالإضافة إلى أن الطالب المصري قد يفتقر إلى إتقان اللغة اللازمة. الأكثر غرقاً تتبع "العربي الجديد" سفن الشحن الغارقة عبر منصة marine vessel traffic، التي وثقت بيانات تحطم وتدمير 6685 سفينة شحن من بينهم 1135 سفينة ترفع علم بنما، و119 سفينة ترفع علم ليبيريا، و57 سفينة ترفع علم سيراليون، و44 سفينة تحمل علم جزر القمر، و25 سفينة ترفع العلم المصري، و14 سفينة ترفع علم بوليفيا، فيما غرقت 225 سفينة شحن من بينهم 25 سفينة ترفع علم بنما، ويعود تاريخ بنائها إلى الفترة بين 1924 إلى 1975، و4 سفن ترفع علم لبنان يعود تاريخ بنائها إلى الفترة الممتدة بين 1933 إلى 1951. وعلى متن واحدة من السفن التي رفعت علم بنما، خاض المهندس بحري أحمد ضيف تجربة العمل، "في مركب غير صالحة للتشغيل"، كما يصفه قائلاً: "عملت مهندساً ثالثاً حينئذ. وكانت مهامي تشغيل وصيانة المركب (يحتفظ "العربي الجديد" ببياناته ولم ينشرها بناء على طلبه لأنّه جرى تفكيكه منذ سنوات)، وخلال معاينتي فوجئت بفتحة في جسم المركب ما يجعله عرضة للغرق، إلّا أن المالك وهو سوري الجنسية قرّر استكمال الرحلة التي كانت ستنطلق من ميناء دمياط في طريقها إلى أوكرانيا، وعلى متنها طاقم مكوّن من 30 فرداً من جنسيات مصرية وسورية وهندية، حينها قرّرت عدم استكمال الرحلة وطالبته بتسليمي أوراقي ودفع مستحقاتي، إلّا أنه رفض، لذا تركت المركب ونزلت على أقرب رصيف في ميناء الرسو بدمياط شمال مصر وأبلغت عن الوكيل، ليجري اتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حياله". لكن ما اكتشفه ضيف بعد نجاته كان أعظم، إذ تبين تزوير شهادات اثنين من أفراد الطاقم، لا يجيدون القراءة والكتابة، ورغم ذلك تولوا مناصب حيوية كمهندس ثانٍ. هذه الحقائق والرحلات التي تتبعها التحقيق، تؤكد وجود علاقة وثيقة بين حوادث الغرق والسفن التي ترفع أعلام دول المنفعة، إذ إنّ عدم تطبيق اشتراطات السلامة وتزوير شهادات الاعتماد والجودة يؤدي إلى وقوع الحوادث، وليس القضاء والقدر، كما تقول مصادر التحقيق. في 26 نوفمبر 2023، غرقت سفينة الشحن "Raptor/Rovana"، المملوكة لشركة مانسا ومقرها الإسكندرية، ويمتلكها ثلاثة مصريين من دمياط شمال مصر، قبالة السواحل اليونانية بعد إبحارها محمّلة بشحنة ملح من ميناء الدخيلة في الإسكندرية، وكشفت مقاطع الفيديو والصور وشهادات أسر الضحايا التي وثقها "العربي الجديد" أن السفينة الغارقة كانت ترفع علم جزر القمر، وكانت في الأساس خردة وغير صالحة للإبحار بسبب عيوب فنية، وقد أودى غرقها إلى فقدان 12 شخصاً. باستخدام الأقمار الصناعية وقاعدة بيانات تتبع السفن العالمية "marinetraffic"، تتبعت معدّة التحقيق خط سير السفينة، وتبيّن مغادرتها ميناء الدخيلة في 22 نوفمبر 2023 متجهة إلى تركيا، إلا أنها استقرت في بحر إيجه منذ غرقها في 26 نوفمبر 2023، وعبر موقعي VesselFinder و balticshipping، تبيّن أن السفينة حملت أسماء أخرى قبل يوليو 2019، وبدأت رحلاتها باسم "رابتور" في عام 2020، حيث أبحرت ست رحلات فقط قبل الحادث خلال الفترة من 2020 إلى 2022 إلى مصر وليبيا وتركيا، ووفقاً لشهادات ذوي الضحايا، كانت وجهتها الفعلية أوكرانيا، وليس كما هو مدون في أوراق الرحلة. ويؤكد جمعة أن مشغّل السفينة يتحمل مسؤولية سلامة الإبحار، ويشترط حصول كل سفينة على شهادة التطقيم الآمن، إلا أن مشغل سفينة "رابتور" ارتكب كارثة بالسماح بدخول سفينة غير صالحة فنياً إلى الميناء، ومع ذلك أشارت أوراق خروجها من ميناء الدخيلة إلى صلاحيتها، حيث تم تزوير شهادات بعض أفراد الطاقم ليتبيّن أن 10 من أصل 14 لا يمتلكون الخبرة الكافية، وهو خطأ فادح، من بين هؤلاء لوكيش كومار، الذي غرق على متن مركب "رابتور"، فوفقاً لأوراقه الرسمية، عيّنته شركة مانسا كبير ضباط مع أنه يحمل شهادة ضابط ثالث الذي تنحصر مهامه بالسلامة البحرية والمعدّات، والتقت "معدّة التحقيق" بأقارب كومار (هندي الجنسية) عبر تطبيق Zoom ومراسلات واتساب، وذكر صديقه كونال سنيغ أن كومار عمل كبير ضباط لمدة تتراوح بين ستة وسبعة أشهر على متن السفينة الغارقة بموجب عقد قانوني مع الشركة (حصلنا على نسخة منه)، ورغم علم الشركة بأنه يعول والدته العجوز، إلا أنهم رفضوا دفع أي تعويضات لأسرته بعد الحادث.   تجارة المراكب التالفة يرى الربان منتصر السكري، المتخصص في شؤون السفن وحركة المرور البحري أن صلاحية المركب للملاحة وتوافق حالته الفنية مع متطلبات السلامة الدولية هو الفيصل الرئيس لعمله بغضّ النظر عن تاريخ بنائه، غير أن الواقع، بحسبه، يكشف عن مسار موازٍ تتعمد فيه المراكب غير الصالحة للإبحار، العبور من موانئ سهلة تدفع فيها الرشاوى لجهات التفتيش، ما يلحق ضرراً مباشراً بدول العبور ويدرج موانئها على القوائم السوداء (BLACK LIST). وغالبا ما يلجأ مالكو هذه السفن  إلى تسجيلها تحت أعلام ما يعرف بـ"الدول المفتوحة" مثل جزر القمر وبنغلاديش وغيرهما من الدول عبر مراسلات بالفاكس أو البريد الإلكتروني من دون إخضاعها لأي تفتيش فعلي. هذا المجال لا يقف عند حدود التحايل الإداري، بل يمتد إلى سوق رقمية مفتوحة تُعرض فيها هذه المراكب كسلعة عادية، إذ رصدت معدّة التحقيق 5437 إعلاناً عبر موقع  Ships.trade لبيع السفن، من بينها 797  سفينة نقل سائب (مخصصة لنقل البضائع غير المعبأة) و123 سفينة شحن و13 لنقل المواشي. ولم يقتصر الرصد على التتبع النظري، إذ خاضت "معدّة التحقيق" تجربة شراء مركب خردة من تاجر مصري يُدعى أحمد محمود، لتكتشف كيف تنتقل السفن غير الصالحة للإبحار إلى منصات للبيع، قبل أن تعود مجدداً إلى البحر محملة بمخاطر تتجاوز حدود الدولة لواحدة. إذ بدأ الأمر بإعلان عبر إحدى مجموعات فيسبوك المتخصصة في ذلك، بعد التواصل معه عبر "واتساب"، عرّف بنفسه بصفته وسيطاً يوفّر المراكب المتهالكة إما بغرض التقطيع والبيع كخردة أو التشغيل لمن يرغب في الشراء مقابل عمولة، أوضحت معدة التحقيق رغبتها في شراء مركب خردة بغرض التشغيل، فعرض عليها مركبين، الأول يحمل أوراق تخريد (ورق مستعمل أو مهمل لإعادة التدوير) وتفيد بعدم صلاحيتها، تزن 1300 طن وتعمل بنسبة 90%، موجودة على شاطئ السويس، وبنيت في تركيا منذ عام 1983 وترفع علم دولة بالاو غرب المحيط الهادئ، أما المركب الآخر من تنزانيا بُني عام 1965 ورغم قدمها وتهالكها أكد أنها تصلح للتشغيل. وهذا النوع من السفن يبيعها ملّاكها الأصليون كخردة بعد انتهاء ترخيصها وعدم صلاحيتها، ليقوم آخرون بشرائها وطلائها من الخارج والداخل للإبحار مجدداً بأسماء جديدة، من دون الحصول على تصريح إبحار محلي أو دولي، لتخرج مهربة في ظل غياب رقابة الجهات المختصة، وغالباً ما تعمل هذه السفن في أنشطة غير مشروعة مثل تهريب المهاجرين أو الأسلحة، رغم كونها سفن شحن بضائع، لكن لا يجوز تشغيلها وفقا لاشتراطات المنظمة البحرية الدولية (IMO)، وفق توضيح أشرف ميلاد روكسي، المحامي الدولي المتخصص في قضايا اللجوء والهجرة، ويضيف أن هيئة التفتيش البحري التابعة لهيئة السلامة البحرية في مصر تختص بالتفتيش على هذه السفن ضمن الحدود المصرية فقط.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية