عربي
تواصل إسرائيل اعتداءاتها على لبنان، لا سيما في الجنوب، رافعةً وتيرة غاراتها في الأيام الماضية على مناطق ضمن نطاق شمال نهر الليطاني، والبقاع شرقاً، وذلك بالتزامن مع استمرار تهديداتها بمواصلة تصعيدها، بزعم ضرب بنى تحتية لحزب الله، ومنعه من محاولة إعادة بناء قوته. وشنّ جيش الاحتلال، أمس الأحد، سلسلة غارات على مناطق في الجنوب اللبناني، أعنفها طاول بلدة كفرحتى بعد إنذار إسرائيلي للأهالي بالإخلاء، وذلك رغم توجه الجيش اللبناني إلى المنطقة، للكشف على المواقع المُهدّدة بالقصف، فيما أسفرت غارة على سيارة في مدينة بنت جبيل عن استشهاد مواطن، وفق ما أفادت وزارة الصحة اللبنانية.
ويستمر مسار التصعيد الاسرائيلي رغم التقدّم الذي أعلن الجيش اللبناني يوم الخميس الماضي عن إحرازه، في إطار تحقيق أهداف المرحلة الأولى من تطبيق خطة حصر السلاح، والذي اعتبرته إسرائيل "بداية مشجعة لكن غير كافية"، ورغم دعوة مجلس الوزراء اللبناني الجيش إلى الشروع بوضع خطة لمنطقة شمال الليطاني، تمهيداً لعرضها ومناقشتها ضمن التقرير الشهري المقبل الذي سيقدمه قائد الجيش العماد رودولف هيكل في شهر فبراير/شباط المقبل.
في المقابل، كرّر الرئيس اللبناني جوزاف عون مواقفه لناحية أن "الاعتداءات ما زالت مستمرة، ومن الممكن أن تستمر أكثر، ولكن شبح الحرب، كما يتوقع الناس، أي حرب كبيرة، واجتياح بري، هذا الاحتمال، أبعد كثيراً"، مشدداً على أنه "علينا كسلطة سياسية، ومن خلال الاتصالات التي نقوم بها، أن نتابع الأمر، لإبعاد الحرب نهائياً". وأردف عون في مقابلة له مساء أمس مع "تلفزيون لبنان" بمناسبة مرور عام على انتخابه رئيساً في 9 يناير/كانون الثاني 2025، "أنا لا أقول إن الحرب انتهت، بل أُبعد شبح الحرب، فأنا لا أعرف بماذا يفكر نتنياهو (رئيس حكومة الاحتلال)"، موجهاً دعوة إلى من أسماه الطرف الآخر، قاصداً حزب الله، بأنه "آن الأوان لكي تتعقلنوا، إما أنتم في الدولة عن حق، وإما لستم بها"، مشيراً إلى أن السلاح انتفى دوره، وانتهت مهمته، ولم يعد له من دور رادع، حيث بقاؤه صار عبئاً على بيئته وعلى لبنان ككل، والآن الجيش موجود.
وتثير المواقف المرتبطة ببُعد احتمال الحرب الكبيرة، والتي ترافقت أيضاً مع إعلان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام عن تسريع وتيرة عملية إعادة إعمار الجنوب خلال الأسابيع المقبلة، تساؤلات حول ما إذا كانت هناك ضمانات أعطيت للجانب اللبناني بذلك، خصوصاً أنّ التصريحات الإسرائيلية، وما يتم تداوله وتسريبه إعلامياً، لم يستبعد توسّع العمليات العسكرية، وبضوء أخضر أميركي، في ظلّ عدم رضا كامل عن أداء الجيش اللبناني.
الجيش اللبناني يحضّر تصوّراً للمرحلة المقبلة
في الإطار، تقول مصادر رسمية لبنانية لـ"العربي الجديد"، إن "لبنان لم يحصل على ضمانات خارجية، ولا سيما أميركية منها، بعدم حصول حرب إسرائيلية موسَّعة، وبالتالي هذه التصريحات لا تستند إلى ضمانات، لكن هناك حراكا دبلوماسيا مكثفا تجاه لبنان، لتثبيت استقراره، ومنع انزلاق الوضع، ودعم المؤسسة العسكرية، وإعادة الإعمار، منه الذي سيقوم به هذا الأسبوع الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، واتصالات لا تتوقف، من أجل ابعاد سيناريو الحرب الكبرى، ولبنان يسمع كلاماً خارجياً يتوقف بإيجابية عند الدور الذي يؤديه الجيش اللبناني في إطار تطبيق خطة حصرية السلاح، ويدعوه إلى مواصلة مهامه، ويشدد على ضرورة دعمه أيضاً للقيام بذلك، كما عند الجهود الرسمية اللبنانية التي تُبذل".
وتشير المصادر إلى أن "الجيش اللبناني أنجز مهامه في إطار المرحلة الأولى من الخطة التي أطلق عليها اسم درع الوطن"، لافتاً إلى أن "العوائق التي حالت دون دخوله بعض المواقع في جنوب الليطاني، ترتبط باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لها، إلى جانب استمرار الخروق الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار بأشكال مختلفة، وغير ذلك هو فرض سيطرته على القطاع، ومستمرّ بانتشاره، وبالتوازي، قام بعمليات في شمال الليطاني، وعلى صعيد كل لبنان، ضمن الإمكانات المتوفرة، وسيواصل ذلك، وسيحرص على وضع خطة واضحة لبسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية أيضاً كما حصل على صعيد جنوب الليطاني".
وتؤكد المصادر أن الجيش ماضٍ بتطبيق خطته، وباشر بتقييم المرحلة الأولى للبناء عليها، وسيضع تصوّراً للمرحلة المقبلة، لا يتضمّن فقط المهام التي سيقوم بها، بل ما يحتاجه مادياً ولوجستياً لتنفيذها، وهنا أهمية تأمين الدعم الخارجي له، إلى جانب تكرار دعواته إلى ضرورة انسحاب إسرائيل من النقاط التي تحتلها جنوباً، ووقف خروقها اليومية على الأراضي اللبنانية من أجل استكمال انتشاره وتطبيق مهامه بالشكل المطلوب.
سلام يجتمع مع اللجنة الخماسية
إلى ذلك، عقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لقاءً مع سفراء اللجنة الخماسية التي تضمّ كلاً من سفراء السعودية وليد البخاري، وفرنسا هيرفي ماغرو، وقطر الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، ومصر علاء موسى، والولايات المتحدة الأميركية ميشال عيسى. وقال سلام بعد اللقاء: "شكرت سفراء اللجنة الخماسية على زيارتهم، وعلى استمرار مواكبتهم مسيرةَ حكومتنا الإصلاحية، ولا سيما تنويههم بمشروع الانتظام المالي واستعادة الودائع الذي أرسلته الحكومة إلى البرلمان. كما ثمّنتُ تأييدهم لإنجاز الجيش المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، وأكدت لهم عزمنا الثابت على تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة والمراحل التي تليها".
كذلك، قال السفير المصري لدى لبنان علاء موسى إن "اللقاء ناقش أموراً تمّت نهاية العام، وتحديداً انتهاء المرحلة الأولى من حصرية السلاح في جنوب الليطاني، وعزم الحكومة على البدء بالمرحلة الثانية مع بداية شهر فبراير/ شباط المقبل، لتكون هناك خطة في هذا الإطار، وأكدنا مرة أخرى أن اللجنة الخماسية هم في الحقيقة أصدقاء للبنان، يساعدونه ويقفون إلى جانبه في مختلف المحطات"، مشدداً على "أننا إلى جانب الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها في ما تتخذه من خطوات، وفي ما يتعلق بمسألة حصرية السلاح، وأعتقد أن الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يسيران بشكل جيد"، مؤكداً أن "تقييمنا إيجابي لما حصل في المرحلة الأولى، ولا توجد مهل، لأن الدولة بحاجة للانتهاء من هذا الملف في أسرع وقت".
وأشار موسى أيضاً إلى أن "الهدف من الزيارة كذلك مناقشة الإصلاحات الاقتصادية التي تتبناها الحكومة، وأيضاً مشروع الانتظام المالي أو الفجوة المالية الذي تقدمت به الحكومة إلى البرلمان. وأعربنا لسلام عن ثقتنا به وثقتنا بالحكومة اللبنانية، وأن الاستحقاقات الاقتصادية مسألة ضرورية للغاية، وأن قانون الانتظام المالي أو الفجوة المالية هو خطوة في الاتجاه الصحيح لاستعادة ثقة المؤسسات الدولية مرة أخرى، وأيضاً لاستعادة ثقة الشركاء في ما يخص الجانب الاقتصادي".
ورداً على سؤال حول الوضع في الجنوب بعد مرحلة قوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، قال موسى: "هذا الأمر لا يزال موضع نقاش، ومسألة مغادرة اليونيفيل مهمة وحساسة للغاية، فهذا يعني حدوث فراغ لا بد أن يتم ملؤه، وما نعمل علية حالياً هو ترتيب الأوضاع، بحيث إن تضمن الدولة اللبنانية وشركاء لبنان أن يكون الوضع مستقراً وآمناً بعد مغادرة اليونيفيل بالتعاون مع الجيش اللبناني، أو من خلال أفكار أخرى تتم مناقشتها في الوضع الحالي".
ورداً على سؤال حول المبادرة المصرية، وما إذا كان يمكن احتواء السلاح بدلاً من سحبه، قال موسى "الجهود المصرية في إطار خفض التصعيد في لبنان وجنوبه مستمرة، وهدفنا الوحيد هو خلق ظروف تخفّف من حدة التصعيد، وهذا ما نعمل عليه، وأعتقد أننا نجحنا بعض الشيء بالتنسيق مع أصدقائنا وشركائنا في عدم التصعيد الوضع، وأتصوّر أن الفرصة متاحة، وما زلنا نعمل على هذا الأمر، ونطلع الدولة اللبنانية على كل ما نقوم به، ونواصل جهودنا نتيجة قناعتنا بأنه إذا ما تركت الأمور من دون جهود مصرية وغير مصرية، فإن فرص التصعيد ستكون أكبر، ونجحنا في تخفيف احتمالات الذهاب إلى مدى أبعد، ونرجو أن تستمر الجهود، والتي لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت هناك مواكبة لها من قبل أداء الدولة اللبنانية في ما يخص مسائل عدة، وعلى رأسها مسألة حصرية السلاح، فدور الدولة اللبنانية وما يقوم به الجيش مع الجهود المصرية، وما يقوم به الأصدقاء، تأتي ببعض الثمار، ونتمنى أن تستمر في الفترة المقبلة".
