عربي
أعلن الاتحاد الأوروبي وتكتل "ميركوسور" التوصل إلى اتفاق تجاري طال انتظاره، في خطوة تتجاوز أبعادها الاقتصادية إلى رسائل سياسية وجيوسياسية واضحة، في عالم يتجه نحو الحمائية وتفكك التعددية، خصوصًا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. الاتفاق، الذي يضم دول التكتل الأميركي الجنوبي الأربع: البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، يؤسس لمنطقة تجارة حرة بحجم قادر على منافسة اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ويراه الاتحاد الأوروبي مكسبًا استراتيجيًا يعزز حضوره في منطقة غنية بالموارد الطبيعية، تشهد تصاعدًا في النفوذ الأميركي والصيني.
بالنسبة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين، وللرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، يحمل الاتفاق رسالة استقلال عن أكبر اقتصادين في العالم، وتأكيدًا على أن الصفقات متعددة الأطراف لا تزال ممكنة رغم التحولات العاصفة في النظام الدولي. وكتب لولا في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "إنه يوم تاريخي للتعددية، وانتصار للحوار والتفاوض والتكامل بين الدول والتكتلات"، وفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ.
ويقود لولا، البالغ من العمر 80 عامًا، جهود إحياء الاتفاق منذ عودته إلى الحكم، بعدما كان مطروحًا للمرة الأولى قبيل ولايته الرئاسية الأولى عام 2003. وكان من المقرر توقيعه بنهاية العام الماضي، غير أن الخلافات حول المعايير البيئية وجودة المنتجات الزراعية، إضافة إلى اعتراضات دول أوروبية زراعية كبرى، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا، حالت دون ذلك. وأعاد التعثر الاتفاق إلى حافة الانهيار، في وقت كان فيه لولا يخوض مواجهة تجارية مفتوحة مع إدارة ترامب بسبب فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على الصادرات البرازيلية خلال النصف الثاني من عام 2025.
ووصف الرئيس البرازيلي اللحظة حينها بأنها "الفرصة الأخيرة"، بينما حذّر رئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي من أن أي تأجيل إضافي قد يطيح الاتفاق نهائيًا. الحسم جاء بعد إدراج تدابير وقائية لصالح المزارعين الأوروبيين، ما دفع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى دعم الاتفاق، وهو ما أفقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القدرة على عرقلته خلال اجتماع سفراء الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي.
ورغم أن الاتفاق لا يزال بحاجة إلى مصادقة البرلمان الأوروبي، فإنه ينص على الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من السلع الزراعية القادمة من أميركا الجنوبية، بما يفتح أسواقًا جديدة لدول ميركوسور، ويمنح المستهلكين الأوروبيين وصولًا أسهل إلى اللحوم ومنتجات أخرى. كما يشمل رفع الرسوم عن السيارات والآلات والسلع الصناعية، ما قد يشكل دفعة لجهود التصنيع في البرازيل ودول الجوار. وتقدّر "بلومبيرغ إيكونوميكس" أن يضيف الاتفاق نحو 0.7% إلى الناتج المحلي الإجمالي لدول ميركوسور بحلول عام 2040، مقابل نحو 0.1% لأوروبا، غير أن الأثر الجيوسياسي قد يفوق المكاسب الاقتصادية المباشرة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه علاقات الاتحاد الأوروبي توترًا متزايدًا مع كل من الولايات المتحدة والصين. فقد دخلت بروكسل خلال عام 2025 في نزاع تجاري متصاعد مع بكين، في حين كشفت القيود الصينية على المعادن النادرة عن هشاشة سلاسل التوريد الأوروبية. كما اضطر الاتحاد إلى قبول اتفاق تجاري مع إدارة ترامب أبقى الرسوم على معظم صادراته، مقابل إعفاء السلع الصناعية الأميركية.
وخلال العقدين الماضيين، تراجعت حصة الاتحاد الأوروبي من تجارة ميركوسور من 23% عام 2001 إلى 14%، بينما ارتفعت حصة الصين إلى نحو 25% بعدما لم تكن تتجاوز 3%. غير أن الاتفاق الجديد سيمنح أوروبا شبكة تجارة تغطي 97% من اقتصاد أميركا اللاتينية، مقارنة بـ44% للولايات المتحدة و14% للصين، وفق تقديرات بنك "سانتاندير". ويرى الأوروبيون في ذلك فرصة لإعادة تقديم أنفسهم شريكا موثوقا وقادرا على لعب دور بديل عن واشنطن وبكين، في وقت تعيد فيه إدارة ترامب إحياء مبدأ مونرو، وتضغط على النفوذ الصيني في المنطقة، لا سيما بعد التطورات الأخيرة في فنزويلا.
ولا تقتصر رهانات الاتفاق على الزراعة، إذ تمتلك الأرجنتين والبرازيل احتياطات كبيرة من الليثيوم، فيما تستحوذ الأخيرة على نحو 14% من احتياطات المنغنيز عالميًا، وهي معادن أساسية لخطط أوروبا في التحول الرقمي والبيئي. كما تسعى بوليفيا، الغنية بالليثيوم، للانضمام إلى ميركوسور، مع مراجعة علاقاتها الاستثمارية مع الصين وروسيا. وتأمل دول التكتل أن يشكل الاتفاق بوابة لاستثمارات أوروبية تساعدها على الانتقال من تصدير المواد الخام إلى التصنيع، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية البوليفي بقوله: "نحتاج إلى سياسات صناعية نشطة، لا إلى الاكتفاء بتصدير الصخور".
لا يُختزل اتفاق الاتحاد الأوروبي وميركوسور في أرقام النمو أو خفض الرسوم الجمركية، بل يندرج ضمن صراع أوسع على شكل النظام التجاري العالمي في مرحلة تتراجع فيها التعددية لصالح السياسات الحمائية والتحالفات الضيقة. وبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تثبيت نفسه شريكا بديلا في أميركا اللاتينية، تجد دول ميركوسور في الاتفاق فرصة لإعادة التوازن لعلاقاتها الخارجية والخروج من موقع المورّد للمواد الخام. أما سياسيًا، فيمثل الاتفاق اختبارًا لقدرة الأطراف الموقعة على ترجمة التعهدات إلى سياسات مستدامة، وسط ضغوط داخلية ومعارضة قطاعية، في عالم لم تعد فيه التجارة مجرد أداة اقتصادية، بل ورقة نفوذ في معركة جيوسياسية مفتوحة.
