عربي
رحيل سعيد عاهد لم يكن عادياً في الأوساط المغربية، فاستقبلتُ يوم وفاته، ليلة السبت (10 يناير/ كانون الثاني 2026)، رسائل عديدة نشرتها وسائل التواصل الاجتماعي. كما وردني قبل ذلك تسجيل "واتساب" من الصديق عبد الإله الصالحي يخبرني بوفاة صديقنا المشترك. وحين فتحت "فيسبوك"، تأكّد لي الخبر مراراً، ولم يخلُ من مرارةٍ في كلمات من نعاه وذكر أثره في نفسه.
سعيد عاهد الصحافي والمترجم من الفرنسية وإليها، وأيضاً الشاعر، كما عرفته للمرّة الأولى في التسعينيّات بالرباط، وبمدينته البحرية العريقة "الجديدة"، بصحبة أصدقاء منهم التشكيلي عبد الله بالعبّاس ابن مدينته، والفوتوغرافي أحمد بن إسماعيل رفيقه الأثير، والشاعر العُماني عبد الله الريامي والشاعر والروائي محمود عبد الغني القريبان منه، وآخرون.
كتب الشاعر عبد الرحيم الخصار عن "جانب من خصال سعيد عاهد التي اتسمت بالنبل والوفاء والركون إلى الصمت الضاج بالحكمة"، كما كتب إدريس الواغيش: "طائر مغرّد يرحل في زمن الرحيل". وكتب الأكاديمي محمد الداهي: "تقاسمت معه منذ أن تعرّفت إليه عام 1985 بمراكش ذكريات رائعة، تعزّزت بمرور السنين من خلال لقاءاتنا المنتظمة". وكتب القاص أنيس الرافعي: "غادرنا سعيد عاهد إلى عالم أفضل". وكتب الروائي المقيم في باريس أحمد المديني: "لا أجد لنعيك عبارة. سعيد عاهد عرفتك الشاعر والصحافي والمعلم والمناضل العتيد في مدرسة الاتحاد، والإنسان الشهم. الأرض اليوم تضيق... حزناً عليك شاسع بحر ووجع بلا ضفاف. فكم أحببناك يا أرقّ من نسمة. رحمك الله. وعزاؤنا واحد في رحيلك الفاجع يا عندليب". وكتب رفيقه في العمل والحياة عبد الحميد اجماهري: "ما أقسى عالم لستَ فيه".
أذكر مرّةً وأنا أقود السيارة ذاهباً إلى العمل، وكانت الموجة على إذاعة مونت كارلو، إذ استمعتُ إلى لقاء جميل مع سعيد عاهد أجراه معه عبد الإله الصالحي عن كتاب تاريخي لسعيد بعنوان: "الفتّان بوحمارة... محكيات من سيرة بوحمارة". فأرسلتُ فوراً تسجيلاً إلى عبد الإله أشكره على تذكيري بصديق قديم انقطعت أخباره.
يمكن أن تُذكِّر اشتغالات سعيد عاهد في البحث والترجمة باشتغالات حسن بحراوي وكتبه العديدة التي تنتظم في سياق الإمتاع والمؤانسة، إلى جانب تميّزها بالنبش في متون منسية، وترجمات قصيّة، ومحكيات متوارية قام بإحيائها وبعثها وتخصيص كتب لها؛ مثل كتاب "حكايات شعبية مغربية" (دار السلاسل، الكويت، 2023)، إذ قسّم بذكاء ما التقطه من الذاكرة الشعبية إلى ثلاثة أقسام، فجاء الكتاب موسوعياً.
وسعيد عاهد أيضاً، في معظم ترجماته وبحوثه، يتصف بالنبش والتقصّي؛ إذ يقف القارئ عند عناوين كثيرة، من الفرنسية إلى العربية أو العكس. يكفي مثلاً أن نذكر أن نحو خمسة عناوين له تحمل توقيع "نون النسوة"، مثل كتاب "السماء تحت أقدامنا" لليلى باحساين، و"عندما يتعثر الجمل" لكاتبتَين كنديَّتَين، ورواية "الوجه الآخر للصيف" لهاجر أزل. كما ترجم كتباً ذات بعد أنثروبولوجي، مثل كتاب الدكتورة ليجي الصادر عام 1926، الذي ترجمه تحت عنوان "المعتقدات والطقوس الشعبية للمغاربة قبل مائة عام".
وقد قُيّض لكاتب هذه السطور أن ينشر في صفحات كان يشرف عليها الراحل قصصاً في الغالب، وبعض الانطباعات حول قراءات. وكان ذلك في تسعينيّات القرن الماضي حين كنت طالباً في كلية الآداب بجامعة محمّد الخامس. ...
"وكأنّ مدينة الجديدة قد سكنت في غياهب الظلال وفقدت ضوءها ورونقها في لحظة مفاجئة. غاب من كنت أترقّب لقاءه بكل شوق في كل زيارة لي للمدينة"، كما كتب رشيد برومي. وبذلك، يفقد المشهد الثقافي المغربي مناضلاً في طريق الكتابة والأدب، "كاتباً لا يدّعي إنتاج المعرفة بقدر ما كان يتقاسمها"، كما قال عنه الكاتب عبد الله الساورة.
رحم الله سعيد عاهد، وصبّر أهله ورفاق طريقه على وحشة فراقه.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 48 دقيقة