تعاف على الورق... اختبار قاسٍ للأسر البريطانية في 2026
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
في خضم الجدل الدائر حول مؤشرات "تعافي الاقتصاد" البريطاني، تتباين الصورة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي للأسر. فبينما تُظهر البيانات تحسّناً نسبياً في بعض المؤشرات الكلية، تتكشف في المقابل ضغوط يومية متصاعدة على شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتشديد السياسة النقدية. في هذا السياق، يقول كريس بيلفيلد، كبير محللي السياسات في مؤسسة جوزيف راونتري، لـ"العربي الجديد"، إن أزمة غلاء المعيشة "ضغطت ميزانيات الأسر إلى أقصى حدودها ودفعت كثيرين إلى خيارات إنفاق قاسية"، في إشارة إلى فجوة متنامية بين الأرقام الاقتصادية وتجربة الحياة اليومية. وتكشف بيانات حديثة عن مسار موازٍ أقل تفاؤلاً، يتمثل في تصاعد الاقتراض الاستهلاكي بين الأسر البريطانية، رغم ارتفاع أسعار الفائدة. هذا الاتجاه يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة التعافي المعلن: هل يعكس قدرة حقيقية على الصمود، أم اعتماداً متزايداً على الديون لتغطية نفقات أساسية؟ تظهر بيانات صادرة عن بنك إنكلترا أن صافي الاقتراض الاستهلاكي ارتفع في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بنحو 2.08 مليار جنيه إسترليني، وهو أعلى مستوى شهري منذ عامين، ما يشير إلى توسّع لافت في لجوء الأسر إلى الائتمان رغم كلفة الاقتراض المرتفعة. وفي الوقت نفسه، تعكس الإحصاءات الرسمية استمرار نمو الائتمان الاستهلاكي خلال الأشهر الماضية، مدفوعاً بزيادة الاعتماد على بطاقات الائتمان وأدوات التمويل قصير الأجل. في المقابل، تُظهر مؤشرات مكتب الإحصاءات الوطنية أن الدخل الحقيقي للأسر لا يزال تحت ضغط واضح، لا سيما بعد احتساب تكاليف السكن والطاقة؛ إذ تراجع معدل الادخار خلال الربع الثالث من 2025، فيما ظل التضخم عند مستويات تُضعف القوة الشرائية. هذا التباين بين تحسّن بعض المؤشرات الكلية والواقع المالي للأسر يدفع خبراء اقتصاديين إلى التحذير من أن اللجوء المتزايد إلى الائتمان قد يخفي هشاشة أعمق في مستويات المعيشة، بدل أن يكون دليلاً على تعافٍ فعلي ومستدام. الاقتراض بديل عن الدخل بحسب تقرير نشره موقع "نيشن.كيمري" في 5 يناير/كانون الثاني 2026 استناداً إلى بيانات بنك إنكلترا، سجّل الاقتراض عبر بطاقات الائتمان في بريطانيا خلال نوفمبر 2025 أسرع وتيرة نمو سنوية منذ قرابة عامين، بعدما ارتفع إلى 12.1% مقارنة بـ10.9% في الشهر السابق. كما صعد النمو السنوي لإجمالي الائتمان الاستهلاكي إلى 8.1%، في مؤشر على اتساع لجوء الأسر إلى الديون قصيرة الأجل. وترى جمعية "ستيب تشينج" المعنية بمساعدة المتعثرين مالياً أن هذه الزيادة تعكس واقعاً يومياً ضاغطاً، حيث باتت تكاليف المعيشة الأساسية، من الغذاء إلى الفواتير، أصعب على شريحة واسعة من الأسر من دون الاعتماد على الائتمان. ووفق استطلاعات أجرتها الجمعية، واجه نحو 14 مليون شخص صعوبة في تحمّل نفقات موسم الأعياد، ما دفع كثيرين إلى الاقتراض، مع مخاوف من ترحيل هذه الديون إلى العام الجديد بدل سدادها سريعاً. ومع انقضاء موسم الأعياد، لا تبدو الضغوط المالية مرشحة للتراجع سريعاً. فبحسب تقرير نشرته "ذا تايمز" في 5 يناير 2026، ارتفعت ديون بطاقات الائتمان في بريطانيا إلى نحو 78 مليار جنيه إسترليني، في وقت لم يواكبه تحسن ملموس في الاستهلاك، إذ تراجعت مبيعات التجزئة وبقيت دون مستويات ما قبل الجائحة. هذا التناقض يعزز المخاوف من أن الاقتراض بات وسيلة لتخفيف أعباء المعيشة مؤقتاً، لا تعبيراً عن ثقة اقتصادية حقيقية. وتتفاقم هذه المخاوف مع ما يلوح في الأفق خلال 2026. إذ حذّرت مؤسسة القرار (Resolution Foundation)، في تقرير نشرته "ذا غارديان" في اليوم نفسه، من احتمال ارتفاع البطالة خلال العام الجاري نتيجة انهيار شركات ضعيفة الأداء لم تعد قادرة على تحمّل كلفة الفائدة والطاقة والأجور. ورغم أن المؤسسة ترى في ذلك "تحولاً" قد يعزز الإنتاجية على المدى المتوسط، فإنها تؤكد أن الأثر قصير الأجل سيكون قاسياً على الأسر في ظل تباطؤ نمو الدخل القابل للتصرف واستمرار الضغوط على مستويات المعيشة. السكن في قلب الأزمة المعيشية يضع خبراء الفقر والسياسات الاجتماعية ضغط تكاليف السكن في صميم الأزمة المعيشية الحالية. ويوضح كريس بيلفيلد، كبير محللي السياسات في مؤسسة جوزيف راونتري، أن تأثير غلاء المعيشة لم يعد مسألة أرقام عامة، بل بات ينعكس مباشرة على قرارات يومية قاسية داخل الأسر ذات الدخل المحدود. ويشير بيلفيلد، في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، إلى أن 77% من الأسر ذات الدخل المنخفض التي تعيش في مساكن مستأجرة اضطرت للاستغناء عن أساسيات خلال الأشهر الستة الماضية، بينما تأخر واحد من كل ثمانية من ذوي الدخل المنخفض الذين يملكون منازل عن سداد أقساط الرهن العقاري. ويحذّر بيلفيلد من أن الدخل القابل للتصرف "مرشح للتراجع خلال ما تبقى من عمر هذا البرلمان"، مشيراً إلى أن تكاليف السكن ستكون من أبرز العوامل الضاغطة، إذ يُتوقع أن ترتفع الكلفة السنوية للسكن بحلول عامي 2029–2030 بنحو 700 جنيه إسترليني بالقيمة الحقيقية مقارنة بمستويات اليوم. أما بالنسبة للأسر الأشد فقراً، وكثير منها كان يعاني أصلاً قبل تفاقم الأزمة، فيقول بيلفيلد إن الخيارات باتت قاسية: "الاستغناء عن وجبة طعام أو إطفاء التدفئة، لأن الدخل لا يكفي لكليهما". وتعزّز هذه الصورة بيانات حديثة تُظهر اتساع الفجوة بين تكاليف الإيجار والدعم الحكومي المخصص للسكن، إذ يواجه أكثر من مليون مستأجر في القطاع الخاص فجوات مالية كبيرة بين قيمة بدل الإيجار الذي يحصلون عليه والمبالغ الفعلية التي يتعيّن عليهم دفعها لأصحاب العقارات، في ظل استمرار تجميد بدل الإيجار المحلي حتى العام المالي 2026–2027. وبحسب تقديرات بحثية، فإن تجميد هذا الدعم يترك المستأجرين في مساكن من ثلاث غرف نوم، وهي الفئة الأكثر شيوعاً بحسب مكتب الإحصاءات الوطنية، أمام عجز متوسط يبلغ نحو 43 جنيهاً إسترلينياً أسبوعياً، أي ما يزيد على 2200 جنيه سنوياً، وهو مبلغ يصعب تعويضه ضمن ميزانيات الأسر ذات الدخل المحدود. تأتي هذه الضغوط في وقت تشهد فيه الإيجارات ارتفاعاً متواصلاً؛ إذ تُظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن متوسط الإيجار الشهري في بريطانيا بلغ نحو 1360 جنيهاً إسترلينياً، فيما ارتفع في إنكلترا إلى أكثر من 1416 جنيهاً، بزيادة سنوية قدرها 5% حتى أكتوبر/تشرين الأول 2025. هذا التباين بين نمو الإيجارات وتجميد الدعم السكني يعمّق العبء على الأسر المستأجرة، ويدفع كثيرين منها إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية الفجوة، في تأكيد إضافي على أن أزمة السكن باتت عنصراً محورياً في أزمة المعيشة الأوسع. في المقابل، تكشف بيانات بنك إنكلترا، بحسب تقرير "النقود والائتمان"، عن مفارقة لافتة في سلوك الأسر البريطانية. فبينما يتصاعد الاعتماد على الاقتراض لتغطية النفقات اليومية، تُظهر الإحصاءات أن الأسر زادت ودائعها المصرفية بنحو 8.1 مليارات جنيه إسترليني خلال نوفمبر 2025، مدفوعة بإيداعات في الحسابات الجارية وحسابات الادخار، لا سيما الحسابات المعفاة من الضرائب. هذا التزامن بين ارتفاع الاقتراض وزيادة الادخار لا يعكس تحسّناً عاماً في الأوضاع المالية، بقدر ما يكشف عن انقسام متزايد داخل المجتمع. فبينما تحاول بعض الأسر بناء هوامش أمان مالية تحسّباً لمزيد من عدم اليقين، تجد شرائح أخرى نفسها مضطرة إلى الاستدانة لتأمين أساسيات الحياة. وهو تباين يسلّط الضوء على اتساع الفجوة الاقتصادية بين الفئات، ويؤكد أن "تعافي الاقتصاد" لا يُقاس بتحسّن المؤشرات الكلية وحدها، بل بمدى انعكاسها الفعلي على القدرة اليومية للأسر البريطانية على تحمّل أعباء المعيشة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية