عربي
أدّت الوفاة المأساوية للنجم النرويجي في رياضة البياتلون، سيفيرت غوتورم باكن (27 عاماً)، الذي عُثر عليه جثة هامدة داخل غرفة فندق في بلدة لافازي الإيطالية، بينما كان لا يزال يرتدي قناع نقص الأكسجين، إلى إطلاق موجة صدمة اجتاحت رياضات التحمل حول العالم. وكان باكن يحتل المركز الثالث عشر في التصنيف العالمي، وأنهى لتوّه مشاركة تنافسية في مدينة لو غران بورنان (فرنسا)، غير أن رحيله المفاجئ، أعاد فتح الجدل الكبير حول أقنعة نقص الأكسجين.
تسريع حظر طال انتظاره منذ سنوات
وبحسب تقرير خاص نشرته صحيفة ماركا الإسبانية، فقد طرأ تحول واضح في موقف الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (وادا)، عقب تصاعد النقاش من عدة أطراف. فالحوار الذي ظل لسنوات تقنياً بحتاً وبوتيرة هادئة، حول أقنعة نقص الأكسجين، تحوّل بعد حادثة باكن إلى قضية عاجلة، تتعلق بالصحة العامة للرياضيين. ورغم أن السلطات الإيطالية لم تؤكد حتى الآن الأسباب الدقيقة للوفاة، ولا تزال التحقيقات جارية، فإن وقع الحادثة كان بمثابة العامل الحاسم.
فبعد أن كان الملف يُناقش من زاوية تحسين الأداء والميزة التنافسية، بات يُدرس اليوم من منظور أخطر بكثير، يرتبط بالسلامة والصحة وبقاء الرياضيين أنفسهم. واعترفت مصادر من عالم مكافحة المنشطات للصحيفة ذاتها، بأن "العمل جارٍ من أجل حظر هذه الأقنعة". وأكدت جهات مختلفة، من بينها فرق دراجات ومسؤولون في وكالات مكافحة المنشطات، وجود إرادة متزايدة لفرض حظر صريح لا يقتصر على المنافسات، بل يشمل أيضاً بعض سياقات التدريب، التي يستحيل فيها ضمان الإشراف الطبي.
محاكاة جبال الهملايا داخل غرفة فندق
أقنعة نقص الأكسجين هي أجهزة تُصمَّم لتقليل كمية الأكسجين التي يستنشقها الرياضي خلال التدريب أو الراحة، بهدف محاكاة الظروف الفسيولوجية للتدريب في المرتفعات، دون الحاجة إلى السفر إلى الجبال. وتغطي هذه الأقنعة الأنف والفم، وتتيح عبر صمامات قابلة للضبط محاكاة ارتفاعات تبدأ من 2000 متر، وقد تصل إلى أكثر من 6000 متر. وتقوم الفكرة الأساسية على أن تقليل الأكسجين المتاح يُجبر الجسم على التكيّف، عبر زيادة إنتاج كريات الدم الحمراء وهرمون الإريثروبويتين، المسؤول عن تنظيم هذه العملية. ونظرياً، يؤدي ذلك إلى تحسين قدرة الدم على نقل الأكسجين، وبالتالي رفع الأداء في رياضات التحمل. لكن استخدام هذه الأجهزة دون إشراف طبي، أو دون بروتوكولات واضحة وحدود أمان صارمة، قد تكون عواقبه مدمّرة.
وفي عام 2006، أجرت "وادا" مراجعة شاملة لهذه الأجهزة وقررت حينها عدم تصنيفها وسيلةَ منشطات، باعتبار أنها تحاكي ظرفاً طبيعياً (الارتفاعات) ولا تدخل مواد خارجية إلى الجسم. ومع ذلك، شددت في ذلك الوقت على ضرورة أن يكون استخدامها منظماً وتحت إشراف ومحدداً بحدود واضحة. وفي رياضة البياتلون، على سبيل المثال، يُنصح بعدم تجاوز محاكاة ارتفاع 3000 متر، لأن المخاطر الصحية بعد هذا الحد ترتفع كثيراً، بينما تتراجع الفوائد الرياضية.
رد فعل نرويجي حاسم: إيقاف شامل
عقب انتشار خبر الوفاة، أصدر الاتحاد النرويجي للبياتلون بياناً، أوضح فيه أن أقنعة نقص الأكسجين لا تدخل ضمن برامج التدريب الرسمية، لكنه أقر في المقابل بأن بعض الرياضيين يستخدمونها فردياً، وبمبادرات شخصية، غالباً بتوجيه من مدربين خاصين، أو بحثاً عن هامش تفوق إضافي. وكان الرد المؤسسي سريعاً وحاسماً، إذ تقرر تعليق استخدام هذه الأجهزة بالكامل حتى إشعار آخر، ريثما تُستكمل التحقيقات وتُوضع بروتوكولات أمان جديدة.
7000 متر… ارتفاع قاتل
ونشرت صحيفة "في جي" النرويجية معلومة صادمة هزّت الوسط الرياضي، مفادها أن القناع الذي عُثر عليه بجوار جثمان باكن، ربما كان مضبوطاً لمحاكاة ارتفاع يعادل 7000 متر فوق سطح البحر. ولتوضيح خطورة هذا الرقم، فهو يوازي ما يُعرف بـ"منطقة الموت" في جبال الهملايا، حيث يتعرض المتسلقون لوذمة رئوية ودماغية، ويبدأ الجسم البشري فعلياً بالموت الخلوي نتيجة نقص الأكسجين. ويتفق خبراء الطب الرياضي وفسيولوجيا المرتفعات بالإجماع، على أن هذا المستوى من نقص الأكسجين لا يحقق أي فائدة رياضية، بل يُعد خطراً مباشراً، وقد يكون مميتاً، خصوصاً في أثناء النوم أو الراحة، عندما تكون آليات الإنذار الطبيعية في الجسم منخفضة. ولا تزال التحقيقات القضائية الإيطالية مفتوحة، دون وجود أدلة قاطعة على ما إذا كان باكن قد ضبط القناع بنفسه على هذا المستوى، أو إذا كان هناك خلل في معايرة الجهاز، أو عوامل أخرى ساهمت في المأساة.
القواعد الفاصلة بين الحياة والموت
يشدد الأطباء المختصون في الطب الرياضي وطب المرتفعات على مجموعة من قواعد السلامة الأساسية التي كان من الممكن، لو طُبقت، تجنب هذه المأساة. القاعدة الأولى: عدم استخدام هذه الأجهزة أبداً بشكل فردي، بل يجب أن يكون هناك دائماً شخص حاضر وقادر على التدخل في حال الطوارئ. أما القاعدة الثانية، فهي ألا تُثبت الأقنعة بطريقة تمنع نزعها تلقائياً. يجب أن يكون تصميمها يسمح بانفصالها تلقائياً إذا فقد المستخدم وعيه، حتى يعود تدفق الأكسجين الطبيعي فوراً. فبقاء القناع مثبتاً على وجه شخص فاقد للوعي، يضاعف خطر الاختناق وتلف الدماغ بشكل متسارع، مع كل ثانية تمر. وأعادت هذه المبادئ البسيطة ملف أقنعة نقص الأكسجين إلى صدارة الأجندة الرياضية الدولية، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة جذرياً: لم يعد النقاش يدور حول الميزة التنافسية أو اللعب النظيف، بل حول منع وفيات يمكن تفاديها.
من بوسان إلى حظر عالمي محتمل
في الاجتماع الأخير للجنة التنفيذية لـ"وادا"، الذي عُقد في مدينة بوسان الكورية الجنوبية بمشاركة بارزة من رئيس الاتحاد الدولي للدراجات، دافيد لابارتيان، كان النقاش قد بدأ بالفعل حول الخط الفاصل بين الإعداد البدني المشروع والتلاعب الاصطناعي بالأداء. وكانت أقنعة نقص الأكسجين مدرجة على جدول الأعمال، لكنها لم تكن أولوية. وبعد وفاة باكن، تغيّر نَفَس النقاش بالكامل. ورغم صعوبة القرار، يمكن تأكيد وجود إرادة سياسية حقيقية لتسريع الخطوات، والنظر بجدية في حظر صريح وعالمي لأقنعة نقص الأكسجين، على الأقل في سياقات الاستخدام غير الخاضع للإشراف. وسيُعد مثل هذا القرار سابقة تاريخية في تنظيم التقنيات المرتبطة بالأداء الرياضي، عبر توسيع مفهوم المنشطات ليشمل الوسائل والأجهزة، لا المواد فقط.
"أم 101"… الكابوس الجديد لمكافحة المنشطات
وفي الوقت الذي يستوعب فيه عالم البياتلون ورياضات الشتاء تداعيات مأساة باكن، تواجه "وادا" تحدياً آخر لا يقل خطورة، ولكن في الاتجاه المعاكس تماماً لمسألة الأكسجين. ويتعلق الأمر بجزيء "أم 101"، المستخرج من هيموغلوبين دودة بحرية تُعرف باسم "أرينا مارينا". هذا الهيموغلوبين يمتلك قدرة استثنائية على نقل الأكسجين، إذ يمكنه حمل 156 جزيئاً من الأكسجين، مقابل أربعة فقط للهيموغلوبين البشري، أي بفعالية تفوقه بنحو أربعين مرة. ويُطلق عليه في أوساط مكافحة المنشطات اسم "إيبو الديدان" أو "الإيبو البحري"، وقد أثار قلقاً بالغاً لعدة أسباب، أبرزها فعاليته المذهلة، وعدم تأثيره بجواز السفر البيولوجي، وصعوبة اكتشافه بالوسائل التقليدية.
من غرف العمليات إلى المختبرات السرية
طُوّر هذا المركّب في الأصل لأغراض طبية مشروعة، مثل حفظ الأعضاء وزراعة الأنسجة وعلاج الجروح المعقدة. لكن كما حدث مراراً في تاريخ المنشطات، انتقلت التقنية من المجال الطبي إلى الاستخدام الرياضي غير المشروع، مع وجود مؤشرات على تجارب سرية في مختبرات بروسيا وبيلاروسيا والصين. ويعمل مختبر مكافحة المنشطات في روما، المسؤول عن عينات أولمبياد ميلانو–كورتينا 2026، على تطوير وسائل قادرة على اكتشاف هذا المركب، خلال نافذة زمنية قصيرة جداً، إذ لا يبقى في الدم سوى ساعات، رغم أن تأثيره قد يستمر أياماً.
المستقبل.. معركة الأكسجين
وبين أقنعة نقص الأكسجين القاتلة عند سوء الاستخدام، والجزيئات البحرية المعدلة في المختبرات السرية، وبين محاكاة الهملايا داخل غرفة فندق، والتلاعب الجزيئي بنقل الأكسجين، تبدو معركة الرياضة مع "الأكسجين"، ذلك العنصر الفاصل بين الحياة والموت، وبين الأداء العادي والنخبوية، كأنها بدأت للتو.

أخبار ذات صلة.
ترامب وغرينلاند
العربي الجديد
منذ 6 دقائق
المنصات الرقمية وإعادة تشكيل الدماغ
العربي الجديد
منذ 9 دقائق