عربي
أثار الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقاضي بإلزام شركات الصناعات الدفاعية بتوسيع استثماراتها في المصانع الجديدة أو مواجهة قيود صارمة على عوائد المساهمين، موجة قلق واسعة في أوساط المستثمرين وخبراء القطاع. فالأمر تضمّن تقييدًا لتوزيعات الأرباح، وإعادة شراء الأسهم، ورواتب كبار التنفيذيين، من دون أن يوضح المعايير التي سيُقاس على أساسها الأداء أو الآليات التي ستُفرض عبرها العقوبات.
وجاءت هذه الخطوة متزامنة مع دعوة ترامب الكونغرس إلى رفع الإنفاق العسكري بنسبة 50% ليبلغ 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، ما خلق مفارقة لدى الأسواق بين احتمالات ازدهار غير مسبوق في الطلب الدفاعي، وبين تهديد مباشر لأحد أهم عناصر الجاذبية الاستثمارية في هذا القطاع، وهو العائد على رأس المال. ويرى محللون أن الجمع بين العصا التنظيمية والوعود المؤجلة بالمكافآت قد يدفع رؤوس الأموال إلى الابتعاد بدلًا من التدفّق نحو شركات الدفاع، بحسب ما ذكرت صحيفة فاينشال تايمز.
وخلال ولايته، لم يتوقف ترامب عن انتقاد المقاولين العسكريين بسبب التأخيرات وتجاوز التكاليف في برامج التسلّح، معتبرًا إصلاح آليات الشراء في البنتاغون أولوية مركزية. وفي الوقت نفسه، شددت إدارته على الحاجة إلى زيادة الطاقة الإنتاجية، لا سيما في مجال الصواريخ، في ظل الطلب المتزايد منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا، متهمة الشركات بعدم ضخ استثمارات كافية من أموالها الخاصة.
وفي هذا السياق، هاجم ترامب علنًا مستويات أجور التنفيذيين في شركات الدفاع، واصفًا إياها بالمفرطة، قبل أن يحدد سقفًا مؤقتًا للتعويضات عند خمسة ملايين دولار سنويًا إلى حين إنشاء مرافق إنتاج حديثة. وتشير بيانات محللي الأسواق إلى أن الشركات الكبرى أعادت خلال عامي 2023 و2024 نحو 50 مليار دولار إلى المساهمين، مقابل استثمارات أقل، ما عزز انتقادات البيت الأبيض. وبحسب الصحيفة، امتنعت "بوينغ" عن إعادة أي رأس مال، مركّزة على إصلاح وضعها المالي. وشهدت أسهم القطاع تقلبات حادة، إذ تراجعت فور الإعلان عن القيود، قبل أن تعاود الارتفاع عقب الحديث عن زيادة ضخمة محتملة في ميزانية الدفاع. غير أن هذا التفاؤل ظل هشًا في ظل استمرار الضبابية التنظيمية.
وفي موازاة الضغوط، بدأت الإدارة الأميركية بإرسال إشارات تهدئة، عبر عقود طويلة الأجل، من بينها اتفاق لإنتاج صواريخ "باتريوت" على مدى سبع سنوات، في محاولة لتشجيع الشركات على الاستثمار بثقة أكبر في توسيع قدراتها. ويرى مسؤولون سابقون في القطاع أن الحكومة باتت أكثر إدراكًا لحاجة الشركات إلى حوافز واضحة ومستقرة قبل الالتزام باستثمارات ضخمة طويلة الأمد.
وينص الأمر التنفيذي على منح وزير الدفاع مهلة محدودة لتقييم أداء المتعاقدين، مع صلاحيات واسعة لاتخاذ إجراءات قانونية وتنظيمية بحق من يُصنّفون مقصّرين، بما في ذلك تعليق توزيعات الأرباح وإعادة شراء الأسهم خلال فترات ضعف الأداء. كما يفرض ربط أجور التنفيذيين بمؤشرات تشغيلية مثل الالتزام بالمواعيد وتسريع الإنتاج، بدل التركيز الحصري على النتائج المالية. ورغم ذلك، يشكك محللون في الأساس القانوني الذي يتيح للحكومة فرض قيود مباشرة على سياسات توزيع رأس المال، محذرين من أن هذه الخطوات قد تؤثر سلبًا على قدرة الشركات على استقطاب الكفاءات القيادية. وفي ظل هذا المناخ، يُتوقع أن تلجأ الشركات إلى إجراءات احترازية، مثل تعليق مؤقت لعمليات إعادة شراء الأسهم، لتفادي صدام سياسي مباشر.
ولا تزال حدود تطبيق القرار غير واضحة، خصوصًا في ما يتعلق بالشركات الأجنبية ذات الحضور الواسع في السوق الأميركية. أما بالنسبة للمستثمرين، فإن القلق الأساسي يتمثل في احتمال تغيّر معادلة الاستثمار في قطاع لطالما عُدّ ملاذًا مستقرًا لأسهم القيمة. ورغم أن بعض المحللين يرون أن القيود المحتملة يمكن استيعابها، فإنهم يجمعون على أن أي تراجع في عوائد رأس المال قد يُضعف إحدى الركائز الأساسية لجاذبية هذا القطاع، ما لم تُقابل بحوافز حكومية ملموسة ومستدامة.
