عربي
"أنا عمدة مدينة مينيابوليس وترامب يكذب عليك"، بهذه الكلمات عنون جاكوب فراي عمدة مينيابوليس، مقالاً كتبه في صحيفة نيويورك تايمز، دفاعاً عن المهاجرين في المدينة وإدانة لمقتل الشاعرة الأميركية رينيه نيكول غود التي قتلت على يد قوات إنفاذ قوانين الهجرة ICE، وهي القضية التي تشغل الرأي العام الأميركي، خاصة في ظل الفيديوهات التي انتشرت لواقعة إطلاق الرصاص عليها.
قدم جاكوب نفسه من جديد في هذه القضية صوتاً على المستوى الوطني الأميركي يسعى للدفاع عن المهاجرين، خاصة أن مدينته تضم أكبر جالية صومالية في البلاد، وهي الجالية جعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هدفاً لهجومه الدائم على المجتمعات من أصول مهاجرة، داعياً لطردهم إلى خارج البلاد.
كتب جاكوب فراي "أنّ رواية إدارة ترامب الكاذبة وتشويه صورة الضحية يعد جزءاً من كذبة أكبر، تريد من خلالها الإدارة أن يصدق الشعب الأميركي، أن حملة القمع العسكرية التي تشنها إدارة الهجرة والجمارك في جميع أنحاء البلاد هي محاولة للحفاظ على أمن مينيابوليس. هذا غير صحيح. إنها حملة ليست من أجل تشويه سمعة المهاجرين فحسب، وإنما كل من يرحب بهم وبإسهاماتهم". وكذب فراي الرواية الرسمية للرئيس وإدارته، مؤكداً أنه شاهد مقاطع الفيديو المنتشرة من زوايا مختلفة وأنه يبدو له بوضوح أن "السيدة غود كانت تحاول أن تغادر المكان لا مهاجمة عنصر من عناصر الإدارة".
جاكوب فراي "رواية إدارة ترامب الكاذبة وتشويه صورة الضحية يعد جزءاً من كذبة أكبر
انتخب سكان مينيابوليس، فراي، لأول مرة عام 2018، وعاصر معهم حادث مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد خلال إدارة ترامب الأولى، والذي قتل في المدينة نفسها على يد ضابط شرطة وضع ركبته على عنقه لنحو 9 دقائق مثلما أظهر فيديو جرى تصويره للواقعة، وحظيت الواقعة بتغطية مكثفة ومتابعة عالمية مع اشتعال المظاهرات في أنحاء البلاد، ووقتها هاجم ترامب عمدة المدينة، ونعته بـ"الافتقار التام إلى القدرة على القيادة"، وهدّد بنشر الحرس الوطني. تلقت تعليقات فراي آنذاك الإشادة والانتقاد في آن واحد، مقدماً صوتاً معتدلاً بين اليمين واليسار، داعياً لفصل الضباط المتورطين في الواقعة ومحاكمتهم، ورافضاً الانجراف إلى الدعاوى التي دعت لوقف تمويل الشرطة. عمل فراي على مدى 4 سنوات منذ هذه الواقعة على محاولة إعادة بناء الثقة بين الشرطة وسكان المدينة.
ولد جاكوب فراي لأسرة يهودية، عام 2018، في ولاية فيرجينا ودرس القانون في جامعة جورج واشنطن، وعمل محامياً في مجال حقوق الإنسان والحقوق المدنية، وانتقل إلى مدينة مينيابوليس في 2008، قبل أن يبدأ مسيرته السياسية عضواً في مجلس المدينة عام 2013، ثم عمدة للمدينة منذ 2018 ببرنامج يسعى لإصلاح العلاقة بين الشرطة والمجتمع، ورغم منافسة اليسار التقدمي له في الانتخابات الماضية في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بترشيح عمر فاتح من أصول صومالية ضده، إلّا أنه نجح في الفوز بإعادة انتخابه للمرة الثالثة على التوالى.
استحضر فراي، هذه الأيام، في مقاله المنشور بصحيفة نيويورك تايمز، مقارنة بين حادث انهيار أحد الجسور في مدينة مينابوليس عام 2007 ووفاة وإصابة العشرات أثناء إدارة الرئيس السباق جورج بوش، وأزمة مقتل غود في 2026 فترة إدارة ترامب، للاستدلال على طريقة تعامل الرئيسيَن اللذين ينتميان إلى الحزب الجمهوري المعارض لتوجّهه، وللإشارة إلى التغيّر الكبير الذي يرى أنه "يهدّد استمرار الجمهورية الأميركية على المدى البعيد" على حدّ تعبيره. يذكر فراي أنّه في أعقاب كارثة 2007 حضر الرئيس إلى المدينة ذات الأغلبية الديمقراطية لتقديم المساعدة، وقال "كان بإمكان المدينة الاعتماد على الإدارة (الحكومة الفيدرالية) في أوقات الأزمات. توقف الخلاف السياسي تماماً عند ضفاف النهر"، قبل أن ينتقل إلى الزمن الحاضر قائلاً "في ظلّ إدارتي ترامب الأولى والثانية. تعلمت البلاد من أحداث مينيابوليس أنّ الحكومة الفيدرالية لا تولي أي اهتمام للمدن أو سكانها".
ومثلما ساهم احتجاج عمدة نيويورك زهران ممداني منذ أشهر ضد قيادات إدارة الهجرة، الذي جرى تداوله على نطاق واسع، في زيادة شعبيته ما أدى في النهاية إلى فوزه بمنصب عمدة المدينة الأميركية الأهم نيويورك، يتناقل ليبراليون وديمقراطيون ومعارضون للرئيس ترامب رسائل وخطط وكلمات فراي، باعتباره صوتاً متزناً قادراً بهدوء ومصداقية وحزم ودون خطاب صاخب على مواجهة سياسات ترامب المعادية لمجتمع المهاجرين. وجه فراي رسالة لزملائه عمدة المدن راسماً طريقاً للبناء، إذ كتب "أفضل ما يمكنكم فعله بناء مدن نابضة بالحياة. وأن تحبّوا شوارعها وسكانها فوق أي أيدولوجية من خلال خفض معدلات الجريمة العنيفة، وبناء المساكن وتوفيرها بأسعار معقولة، وجعل المدن مكاناً يمكن للمهاجرين والوافدين وسكانه جميعاً اعتباره وطناً لهم".
