عربي
منذ عام 1964، يحتفل عشّاق "ذا بيتلز" (The Beatles) في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني من كلّ عام، ببلوغ الأغنية الفارقة في تاريخ الفرقة "أريد أن أُمسِك بيدك" (I Want to Hold Your Hand) المرتبة الأولى على النسخة الأميركيّة من قائمة بيلبورد للأغاني الضاربة.
تجمع هذه الأغنية، التي كتبها ولحّنها معاً عضوا الفريق جون لينون وبول مكارتني، كثيراً ممّا جعل "ذا بيتلز" مشروعاً موسيقيّاً طبع تاريخ الفنون والثقافة الجماهيريّة بطابعه الخاص لعقودٍ لاحقة، سواء لجهة الفرادة الإبداعيّة، أو السبق الإنتاجيّ البشريّ والتكنولوجيّ، أو لنموذجيّة إدارة العلاقات الشخصيّة والمهنيّة بين الشبّان الأربعة.
يمثّل حسن إدارة العلاقات الشخصيّة والمهنيّة بين أعضائه أحدَ أهمّ عوامل النجاح التاريخيّ والمستدام الذي حقّقه الفريق. ولم يُخْفِ يوماً، لا عن الوكلاء والمُنتجين ولا حتى عن المُعجبين، أنّ التنافس ظلّ على أشدّه في ما بينهم، سواء لجهة من يتصدّر الواجهة الجماهيريّة، أم من تكون له الكلمةُ الأولى واليد الطولى في كتابة الأغاني وتلحينها، ولا سيّما بين العضوين الأشدّ كاريزميّة: بول مكارتني وجون لينون.
من هنا، تتمتّع "أريد أن أمسك بيدك" بدلالاتٍ رمزيّة خاصّة، فهي مثال على كيفيّة تمكُّن مكارتني ولينون من العمل معاً، متجاوزَين "عداوةَ الكار" التي أضمرها كلٌّ منهما للآخر على امتداد تاريخ تعاونهما الفنّي، أو أبقياها، في الحدّ الأدنى، خارج الفضاء العام، من دون أن يُفضي ذلك إلى اشتباكٍ يؤثّر في سير نشاط الفرقة أو يُهدِّد استمراريّة نجاحها.
يُحكى أنّ الاثنين وضعا الخطوط العريضة للأغنية معاً، جالسين إلى آلة بيانو واحدة، في شقّة صديقة مكارتني جين في لندن، يتقاسمان لوح مفاتيحها البيضاءَ والسوداء، ويتشاركان الأشعار وسلالم النغمات وسلاسل الأكوردات الهارمونيّة.
انعكست هذه الطريقة، التعاونيّة والتنافسيّة في آن، على الشكل النهائي للأغنية، إذ جاءت مبنيّةً من جُملٍ قصيرةٍ ذات أثرٍ خاطف، تتجاور تباعاً، بما يستدعي إلى المخيّلة في أثناء الاستماع صورةَ مؤلِّفَين يتجالسان ويتنافسان على الإتيان بفكرةٍ أكثر جرأةً تجبُّ سابقتها. غير أنّ انتصار منطق التشارك على التدافع جعل هذه الجُمل الموسيقيّة، على كثافتها، تتجاذب بدلاً من أن تتنابذ وتتنافر، فتتضافر جهود الفنانين في مدّ منتجهما النهائي بطاقةٍ حيويّة ترفع من همّة المستمع، وتمنحه شعوراً بالبهجة، وتمدّه بروح التفاؤل.
بات يمكن الاستماع إلى الأغنية اليوم بوصفها نموذجاً مُبكِّراً على الخلطة السحريّة التي صاغتها "ذا بيتلز"، وستغزو أسماع العالم انطلاقاً من العاصمة البريطانيّة. تقوم هذه الخلطة على التوفيق بين المحافظة والتجديد، أي الإبقاء على السمات التقليديّة العامّة لأغنية البوب كما عهدها الغرب في عقد الستّينيات، مقابل شحن اللغة الموسيقيّة بمفرداتٍ جديدةٍ وغير مألوفة، ستغدو لاحقاً بصمةً أسلوبيّةً خاصّة بالفريق.
من بين هذه المفردات، يبرز توظيف الإزاحة الإيقاعيّة (Syncope) على نبض الأغنية، عبر نقل النبرات من الضربات الرئيسيّة القويّة إلى الثانويّة الخفيفة، بما يُربك الميل الإيقاعيّ الطبيعيّ لدى المستمع ويُباغته. توازياً مع هذا الكسر الإيقاعيّ، ولأجل الهدف نفسه المتمثّل في استثمار عنصر المفاجأة لزيادة الاستثارة الحسّيّة، اعتُمدت انتقالاتٍ نغميّة غير متوقّعة.
يتجلّى ذلك بوضوح عند الدقيقة (1:38)، إذ بدّل الفريق، قُبيل القنطرة المؤدّية إلى اللازمة، المزاجَ الهارمونيّ برمّته ولأمدٍ قصير، بدا من منظورٍ بنيويّ وكأنّه مُبتسر، غير أنّ وقعه الشعوريّ جاء خارقاً للعادة، وسُمِع صداه في صراخ الفتيات بين صفوف الجمهور، استجابةً طربيّةً لضربة حسّيّة قاضية.
إنتاجياً، اتّسمت سيرورته بدورها برمزيّةٍ دالّة على نجاح "ذا بيتلز" فريقاً، فهذه الأغنية الأولى في تاريخهم التي سُجِّلت باستخدام أربعة مساراتٍ صوتيّة (Tracks)، وكأنّ عدد التراكات هذه المرّة يُراد له أن يُمثِّل أعضاء الفريق الأربعة. فبعد أن كان يُعتَمَد سابقاً على مسارين منفصلين تُسجَّل وفقهما الأصوات الغنائيّة من جهة، ومجاميع الآلات من جهةٍ أُخرى، جرى في هذه التجربة فصلُ الآلات الإيقاعيّة عن الوترية، والغناء الرئيسيّ عن المُسانِد: قد أتاح ذلك فنّيّاً قدرةً أكبر على التحكّم في نوعيّة المكوّنات الصوتيّة، ومنحها إمكانيّة البروز، ما زاد من الغنى اللونيّ للمنتج النهائي.
فضلاً عن ذلك، دلّت طريقة إدارة الإنتاج على انتقال "ذا بيتلز" من عهد الصِّبا والعفويّة إلى مرحلة النُضج الفنّيّ والتمرُّس التقنيّ، ما حدا بالفريق إلى إعادة تسجيل مسارات الأغنية 17 مرّة، ليس لعجزهم عن إنجازها بإتقانٍ انطلاقاً من محاولاتٍ أقلّ، بل نتيجةً لتنامي نزعتهم إلى الاختبار والتجريب.
وقد ساعد اعتماد المسارات الأربعة، والاستفاضة في تكرار المقاطع المسجّلة، على رصف أكثر من طبقةٍ صوتيّة بعضها فوق بعض، ولا سيّما على مسار الغناء، ما جعل الطابع الجوقيّ (العلامة الفنيّة الفارقة في مسيرة الفرقة) أعقد وأكثر جاذبيّة.
في حين تربّعت الأغنية بسهولةٍ على قمّة القائمة البريطانيّة للأغاني الأكثر شعبيّة، تمثّل الخرقُ الأبرز في نجاحها الأميركيّ، إذ أمّن للفريق شهرةً كاسحةً سرعان ما ترسّخت في عموم الولايات المتّحدة. وربّما أتى ذلك من دون تخطيطٍ مسبق، إذ إنّ النصّ، بدءاً من العنوان، كما الشحنة العاطفيّة الموجبة التي يحملها اللحن ونسيجه الهارمونيّ، جعلا "أريد أن أُمسِك بيدك" تُسمَع في عقد الستّينيات في انسجامٍ تامّ مع المزاج العام، ولا سيّما لدى جماهير الهيبيز على الساحل الغربيّ، الداعية إلى التضامن والسِّلم العالميّ، ونبذ الحروب، ورعاية كوكب الأرض.
وحتى بعد أن تبوّأت الأغنية المرتبةَ الأولى على قائمة الولايات المتّحدة، ساهم خرقٌ تكنولوجيّ، هو التلفزيون، في توسيع مدى انتشارها أميركيّاً، وذلك إثر عرضها حيّةً على الشاشة الصغيرة مساء الأحد في التاسع من فبراير/شباط 1964، عبر استضافة الفرقة ضمن فقرات برنامج إد سوليفان الترفيهيّ الشهير (The Ed Sullivan Show).
حينها، تجاوز عدد مشاهدي هذا الظهور السبعين مليوناً، وهو رقمٌ فلكيّ بمعايير تلك الحقبة، كما شكّل إقراراً رسمياً من المؤسّسة الترفيهيّة والإعلاميّة الأميركيّة بوجود "ذا بيتلز" بوصفها جزءاً ثابتاً من المشهد الثقافيّ الأميركي والعالمي.

أخبار ذات صلة.
"قسد"... سيرة أداة
العربي الجديد
منذ 32 دقيقة