وحدة الهموم اللبنانية في مسرحية "القرنة البيضا" ليحيى جابر
عربي
منذ أسبوعين
مشاركة
يكتب يحيى جابر بسخرية دقيقة عن العلاقات الشائكة بين مناطق لبنان المختلفة، ويستحضر أرشيفاً إنسانياً كثيفاً من مناطق شماله، في إهدن وزغزتا تحديداً، يعود إلى الخمسينيات، في العرض الأول لمسرحيته "القرنة البيضا" على خشبة مسرح المونو في بيروت الثلاثاء الماضي، حيث تتداخل الذاكرة الشعبية بالخيال المسرحي وتُعاد صياغة الحكايات من منظور نسوي واضح. العرض الذي يعاد حتى 27 من الشهر الجاري، مونودراما من أداء ماريا الدويهي، تظهر خلاله "اللطشات" الكلامية، الأحكام المسبقة، والمواقف المعلّبة بين الشمال وبقية المناطق، من دون تهكّم فجّ. السخرية هنا نابعة من المعرفة، من القرب، ومن الانتماء. وفي الوقت نفسه، تكشف المسرحية عن المشترك اللبناني العميق: الهموم نفسها، الخوف نفسه، الرغبة نفسها في الحبّ والنجاة. اللهجات تتغيّر، لكن البنية الإنسانية واحدة. السؤال يفرض نفسه بهدوء: إذا كان هذا التشابه قائماً، فما معنى كل هذه الخلافات؟ المسرحية تحطّ في شمال لبنان، بمنطقة متخيَّلة تستلهم اسمها من "القرنة السودا" أعلى قمم البلاد، التي تعود تسميتها إلى أصل سرياني بمعنى قمة الشهداء. إذاً تسمية المكان "القرنة البيضا" لم تأت عن عبث، إنما محاولة لإعادة فهم الموت، الحياة وما بينهما. تدور الأحداث في الخمسينيات لكنّ ترسّباتها ما زالت حاضرة من هذه القمة تتشعّب الحكايات، وتنطلق شخصيات نسائية ورجالية تنتمي إلى زمن ما قبل الحرب الأهلية، إذ تتقاطع الأسطورة بالتاريخ، الدين بالعادات، والحب بالعنف. ماريا الدويهي علاقتها بالمكان ليست علاقة ممثلة بنصّ، بل علاقة ذاكرة بشخصية تنتمي إلى هذه الجغرافيا التي يتناولها العمل، وتعود إليها على الخشبة لا بوصفها نوستالجيا، بل كمساحة مساءلة. تنقّلها بين الشخصيات يتمّ بسلاسة لافتة: نساء ورجال، عجائز وشابات، أصوات قاسية وأخرى هامسة. كلّ شخصية تظهر وتختفي من دون تغيير في الزيّ الأساسي؛ التحوّل يحدث عبر الشال، غطاء الرأس، نبرة الصوت، وضعية الجسد، والإيقاع الداخلي. هذا الخيار يُبقي التركيز على الأداء، ويمنح الجسد وظيفة سردية كاملة. الشخصيات التي تمرّ في "القرنة البيضا" تنتمي إلى طبقات اجتماعية مختلفة، لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: المرأة. نساء مسحوقات، متمرّدات، عاشقات، خائفات، ومصمّمات على النجاة. من "طريزا" القصيرة جداً المتزوجة من أطول رجل في العالم، إلى "روزانا" الناجية من المجاعة، إلى "كاميليا" الابنة السرية المتخيلة لجبران خليل جبران، وصولاً إلى شخصيات أخرى تستعيد أثر الجراد، المجاعة، الثأر، والحرب. حضور جبران خليل جبران في العمل ليس توثيقياً، بل تخييلياً، يُستخدم كجسر بين الأدب والذاكرة الشعبية، وبين "النبي" بوصفه رمزاً، والنساء اللواتي يعشن في ظلّ الرموز الذكورية الكبرى. الزمن الذي تدور فيه المسرحية هو الخمسينيات، لكنّ ترسّباته ما زالت حاضرة. العادات تغيّرت، البنى الاجتماعية تبدّلت، لكنّ الكثير من أنماط التفكير بقيت. المسرحية تلتقط هذه الاستمرارية من دون خطاب مباشر. العلاقات بين النساء والرجال تُعرض كما هي: تعريف الذكورة في البيئة الريفية، موقع المرأة داخل العائلة، الصمت المفروض، والتمرّد المكبوت. يخرج العرض من إطار الإدانة إلى التفكيك، ويضع الشخصيات داخل تناقضاتها اليومية. الدين حاضر بقوة في العمل، لا بوصفه عقيدة، بل ممارسة يومية. نرى علاقة النساء بالقديسين والقديسات، الطلبات، النذور، الخوف، والرجاء. في المقابل، يبرز التناقض بين جوهر الدين المسيحي كما يُفترض أن يكون، وبين ما يُمارس اجتماعياً. الرحمة، الغفران، والمحبة تُستدعى شعاراتياً، بينما تُمارَس القسوة، الإقصاء، والعنف الرمزي. المسرحية لا تهاجم الدين، بل تكشف الفجوة بين النصّ والسلوك، بين الإيمان كما يُقال والإيمان كما يُعاش. كما تتسلّل إشارات إلى العلاقة بين الطوائف في لبنان، نظرة التباعد، سوء الفهم، والإحساس بالاختلاف، من دون خطاب سياسي مباشر. هذه الإشارات تأتي بوصفها جزءاً من نسيج الحياة اليومية في تلك المرحلة، وتُطرح بوصفها انعكاساً لوعي جماعي أكثر مما هي موقف فردي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية