حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. محمد علي قحطان
للتذكير، نعود إلى عام 1990، وهو عام اندماج شطري اليمن في دولة واحدة سُمّيت بالجمهورية اليمنية، واتخاذ الريال اليمني عملةً وطنيةً للدولة اليمنية الموحدة. وخلال الفترة منذ ذلك الحين وحتى وقتنا الحاضر، مروراً بفترة الحرب القائمة منذ عام 2015، لم يجرِ أي تغيير على العملة الوطنية، باعتبار أن العملة الوطنية اليمنية هي الريال اليمني، بالرغم من تعدد طبعاته وأشكاله وألوانه، وتباين السياسات النقدية بين صنعاء وعدن. واستمر الريال اليمني، بطبعاته وفئاته وألوانه وأشكاله المتعددة، بما فيها الكميات الهالكة التي يُجبر الناس على استخدامها، يتمتع بحق القبول القانوني العام، ويحتفظ شكلياً بوظائفه النقدية كعملة نقدية بحماية الدولة.
وكانت السياسة النقدية لسعر الصرف المعمول بها حتى عام 2019 هي سياسة التعويم، أي خضوع سعر الصرف لمبادئ الحرية الاقتصادية وآليات السوق (العرض والطلب)، بالرغم من وجود أسعار صرف متعددة، منها السعر الرسمي، والسعر الدبلوماسي، والسعر الجمركي، والأسعار التشجيعية. وقد مكّنت تلك السياسات الفاسدين في مؤسسات الدولة وخارجها من توظيفها لمصالح خاصة.
وقبل الحرب، وتحديداً في عام 2014، بعد الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي في سبتمبر من ذلك العام، كان سعر صرف الريال السعودي يبلغ نحو 32 ريالاً يمنياً للريال السعودي الواحد، وما يقابل ذلك بالعملات الأجنبية الأخرى. وعندئذٍ، كان مستوى دخل الموظف اليمني، بالمقارنة مع مستواه في عدد من الدول العربية، هو الأعلى عند القياس بسعر صرف الدولار الأمريكي أو الريال السعودي. وكان مستوى المعيشة، بناءً على ذلك، مقبولاً إلى حد كبير؛ إذ كان بإمكان معظم موظفي الدولة في مختلف قطاعات الملكية (العام والخاص والمختلط) السفر إلى الخارج للعلاج أو السياحة على نفقتهم الخاصة، من مدخراتهم التي كان بإمكانهم اقتطاعها من دخلهم، وساعدتهم على ذلك القوة الشرائية للعملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية.
عند بداية الحرب في عام 2015، وما أدت إليه من آثار، بدأ التدهور الاقتصادي يشتد حدةً في مختلف جوانب حياة المواطنين اليمنيين. وكان من أبرز ملامح التدهور الاقتصادي في الجانب النقدي استنفاد الرصيد النقدي من العملات الأجنبية والوطنية في البنك المركزي اليمني بالعاصمة صنعاء، التي صارت تحت سيطرة جماعة الحوثي. وأدى ذلك إلى توقف صرف رواتب موظفي الدولة ابتداءً من شهر أغسطس عام 2016. وبالتالي، اتخذ الرئيس عبدربه منصور هادي القرار رقم (119) بتاريخ 18 سبتمبر 2016، الذي قضى بنقل وظائف البنك المركزي من فرعه الرئيسي في العاصمة صنعاء إلى فرعه بالعاصمة المؤقتة عدن، وإدارة تلك الوظائف من هناك.
وشكّل ذلك مبرراً أساسياً للعجز عن الاستمرار في صرف رواتب موظفي الدولة، كما عجز البنك المركزي عن إدارة مهامه من عدن؛ إذ استمر فرع صنعاء في ممارسة مهامه كفرع رئيسي، ولم يعترف بعملية نقل وظائفه. وأدى ذلك إلى انقسام البنك المركزي اليمني إلى فرعين رئيسيين، أحدهما في صنعاء والآخر في عدن، كما انقسم الجهازان المصرفي والمالي تبعاً لذلك. واستمر سعر صرف الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية في التدهور، ليصل في نهاية عام 2019 إلى نحو 140 ريالاً يمنياً مقابل الريال السعودي الواحد، وما يعادل ذلك بالعملات الأجنبية الأخرى.
وأدى كل ذلك إلى انهيار الجهازين المصرفي والمالي، وتعطّل الدورة النقدية والاقتصادية، وبدأ الاقتصاد الوطني في التدهور المتسارع، إلى أن وصلت حالته إلى المستوى الذي يوصف بأنه انهيار اقتصادي وإنساني.
ومع عجز السلطة الشرعية وبنكها المركزي في عدن، حينذاك، عن استئناف صرف رواتب موظفي الدولة، لجأ البنك المركزي في عدن إلى الأخذ بسياسة التمويل التضخمي؛ إذ قام بطباعة كميات كبيرة من الريال اليمني بطبعات مختلفة من حيث الحجم والشكل عن الطبعة القديمة التي كان معمولاً بها كعملة وطنية، وهو الأمر الذي سهّل التمييز بين الطبعتين القديمة والجديدة.
كما عجزت الحكومة عن صرف رواتب موظفي الدولة في عموم المحافظات اليمنية، حسبما نص عليه قرار نقل وظائف البنك المركزي. وبالتالي، تقرر صرف رواتب موظفي مؤسسات الدولة التابعة للسلطة الشرعية فقط، في ظل ترسخ سيطرة جماعة الحوثي على عدد من المحافظات والمناطق، ومنها مدينة صنعاء، العاصمة السياسية، التي تتركز فيها مؤسسات الدولة وفروعها الرئيسية ومراكز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وبذلك، تعمّق فصل أجهزة الدولة بين سلطتين: إحداهما السلطة الشرعية، والأخرى سلطة الأمر الواقع في صنعاء.
وسهّل كل ذلك لسلطة الأمر الواقع في صنعاء، بواسطة فرع البنك المركزي هناك، منع تداول الطبعة النقدية الجديدة في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، والاستمرار في تداول الطبعة القديمة فقط، ومنع دخول الطبعة الجديدة وتداولها في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وكان ذلك مع نهاية عام 2019 وبداية عام 2020. كما استُحدثت سياسات نقدية جديدة خارج نطاق السلطة الشرعية، من أهمها تثبيت سعر صرف الريال اليمني بطبعته القديمة عند المستوى الذي وصل إليه، أي 140 ريالاً مقابل الريال السعودي، كما أشرنا سابقاً، وإلزام كافة البنوك والمصارف العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين بالتقيد بذلك، تحت قبضة أمنية قوية.
وحافظ هذا الإجراء على استقرار سعر صرف الريال اليمني بطبعته القديمة عند المستوى المحدد منذ ذلك الحين، ولم تؤثر فيه السياسات والإجراءات التي ينفذها البنك المركزي في عدن. إذ لم يتخذ البنك المركزي في عدن أي سياسات أو إجراءات لمواجهة انقسام سعر الصرف بين الطبعتين، بالرغم من استخدامه سياسات لمواجهة انقسام الجهاز المصرفي. فقد تماهى مع واقع انقسام سعر الصرف واستمراره، وفي الوقت نفسه، أخذ بسياسة التمويل التضخمي، دون اكتراث بما يحدث من تدهور في سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة، التي عمّم تداولها في المناطق التابعة للسلطة الشرعية.
وقد ولّد ذلك فجوة كبيرة بين سعر صرف الريال اليمني بطبعتيه القديمة والجديدة، حتى بعد أن اتبع البنك المركزي في عدن سياسة التعافي النسبي للريال اليمني بطبعته الجديدة، وثبّت سعر الصرف عند المستوى المحدد بالسعر الحالي، البالغ نحو 410 ريالات يمنية مقابل الريال السعودي الواحد، وما يقابل ذلك بالعملات الأجنبية الأخرى، وذلك منذ أوائل عام 2025 وحتى وقتنا الحاضر.
مع العلم بأن البنك سمّى تلك السياسة «سياسة الإدارة المرنة لسعر الصرف»، وهو مصطلح جديد، قُصد به، من وجهة نظري، عدم الإقرار بتدخل البنك المباشر والأخذ بسياسة التثبيت في ظروف الحرب لحماية العملة الوطنية من التدهور، خوفاً من إملاءات صندوق النقد الدولي. وفي الوقت نفسه، يُراد بذلك الإيهام بأن البنك المركزي لم يعمل بسياسة التثبيت، بالرغم من أن ظروف الحرب تحتم التدخل المباشر للحفاظ على العملة الوطنية من التدهور، والحفاظ على استقرار سعر الصرف عند مستوى توازني مع القوة الشرائية للدخل. ومن شأن ذلك تمكين الحكومة من الدخول من المدخل الصحيح لتحقيق التوازن الاقتصادي، والنجاح في مواجهة التضخم والكساد والانهيار الاقتصادي والإنساني.
وبالنظر إلى واقع الحال، فقد استمر سعر صرف الريال السعودي المثبّت بقرار البنك المركزي على ما هو عليه منذ التثبيت في أوائل عام 2025 وحتى وقتنا الحاضر. وبرأينا، أدى ذلك إلى تعميق انقسام العملة الوطنية إلى سعري صرف، بحيث صار الريال بطبعته القديمة يساوي نحو ثلاثة ريالات بطبعته الجديدة. ومكّن هذا الوضع تجار الحرب من الاستفادة منه، وأسهم في استمرار الاختلالات الاقتصادية وتفاقم معاناة المواطنين اليمنيين أينما كانوا، في الشمال أو الجنوب.
وبرأينا، فإن الوضع المزدوج لسعر صرف العملة الوطنية ولّد الكثير من الاختلالات الاقتصادية التي تحدثنا عنها بالتفصيل في مقالات سابقة، كما أدى إلى استخدام سعر الصرف أداةً في الحرب الاقتصادية القائمة بين صنعاء وعدن. ويُعد ذلك عاملاً أساسياً في الانهيار الاقتصادي والإنساني، وتسريب العملات الأجنبية إلى خارج الجهاز المصرفي اليمني وإلى الخارج. ومع استمرار الحرب وآثارها التدميرية للبنية التحتية للاقتصاد الوطني، تعمّقت الاختلالات الاقتصادية، خصوصاً أن الحكومة بقيت عاجزة عن استعادة مؤسسات الدولة ومواجهة تلك الاختلالات.
وبناءً على ما سبق، نطرح البدائل التالية لمواجهة الانقسام في سعر صرف العملة الوطنية وتعافيها، وذلك في الحالتين التاليتين:
الحالة الأولى: وضع نهاية للحرب وتحقيق السلام
عندئذٍ، ستتم استعادة مؤسسات الدولة، ومنها البنك المركزي اليمني، بصورة كاملة، وبالتالي إنهاء الانقسام في سعر صرف العملة الوطنية، والعمل على تعافيها، وإعادة بناء جهازي الدولة المصرفي والمالي إلى ما كانا عليه قبل الحرب، واتخاذ جملة من السياسات والإجراءات الكفيلة بتعزيز تعافي العملة الوطنية واستقرارها، وكذلك استقرار الجهازين المصرفي والمالي.
الحالة الثانية: استمرار الحرب وعدم تحقيق السلام
عندئذٍ، لا بد من أن تعمل الحكومة الشرعية، باعتبارها السلطة المعترف بها دولياً والمهيمنة حالياً على الجهاز المصرفي اليمني بواسطة البنك المركزي في عدن، على مواجهة الانقسام في سعر صرف العملة الوطنية وتعافيها، وكذلك استكمال بسط السيطرة على وحدات الجهاز المصرفي والعملة الوطنية؛ لما لذلك من أهمية في مواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني والتخفيف من معاناة المواطنين اليمنيين.
وبرأينا، فإن أمام البنك المركزي لتحقيق ذلك البدائل التالية:
أولًا: توجيه السياسات والإجراءات النقدية الممكنة لمواجهة الانقسام.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال اتباع سياسة التخفيض التدريجي لسعر صرف الريال السعودي مقابل الريال اليمني بطبعته الجديدة، حتى يتم القضاء على الانقسام في سعر صرف الريال اليمني، وبالتزامن مع تحقيق تقدم في تعافي العملة الوطنية. وسيكون لذلك أثر كبير في مواجهة التضخم والكساد، وتحقيق إصلاحات اقتصادية حقيقية، والاتجاه نحو حالة الانتعاش الاقتصادي، كما أوضحنا ذلك في العديد من المقالات السابقة.
وباعتقادنا، فإن ذلك من أهم الخيارات الممكنة حالياً لتحسين ظروف المواطنين اليمنيين، وتعبئة جهودهم نحو مواجهة الحرب وآثارها وتحقيق السلام.
ثانيًا: إعداد مشروع عملي لتوحيد العملة الوطنية والتواصل مع قيادة البنك المركزي في صنعاء.
أن يبادر البنك المركزي في عدن إلى إعداد مشروع واقعي وعملي لتوحيد العملة الوطنية، ثم التواصل مع قيادة البنك المركزي في صنعاء مباشرةً أو بواسطة المبعوث الأممي، لمناقشة هذا المشروع والتوصل إلى توافق بشأن إعادة الاعتبار للعملة الوطنية، وتوحيد سعر الصرف، والعمل بسياسة نقدية واحدة من شأنها مواجهة الاختلالات الاقتصادية في الاقتصاد الوطني بصورة عامة، بما يخدم تعافي العملة الوطنية ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.
ويتطلب ذلك أن تكرّس جهود المبعوث الأممي إلى اليمن، وقيادتي البنك المركزي في صنعاء وعدن، لتنفيذ وظائف البنك المركزي وفق سياسات موحدة، بعيداً عن المالية العامة؛ إذ يمكن لكل من سلطتي عدن وصنعاء إنشاء وعاء خاص بها للمالية العامة خارج إطار البنك المركزي.
ثالثًا: استبدال العملة الوطنية اليمنية بالعملة السعودية بالتوافق مع السلطات النقدية في المملكة العربية السعودية.
يتطلب ذلك جهوداً مشتركة بين الحكومة اليمنية وحكومة المملكة العربية السعودية؛ إذ إن الريال السعودي يُعد حالياً، على مستوى الأسواق اليمنية والجهاز المصرفي اليمني، القاعدة النقدية للتبادل، كما تُسعّر به السلع والخدمات في الأسواق اليمنية. بالإضافة إلى ذلك، تُصرف رواتب موظفي الدولة المدنيين والعسكريين على حساب السعودية بالريال السعودي، إما في صورة رواتب نقدية مباشرة لمنتسبي الأجهزة العسكرية والأمنية، أو منح للحكومة مخصصة لدفع رواتب مؤسسات الدولة المدنية.
ختاماً، نود توجيه رسالة إلى قيادة البنك المركزي في عدن، مفادها أن الوضع الاقتصادي والإنساني والأزمات المعيشية للمواطنين اليمنيين تستدعي استشعار قدر عالٍ من المسؤولية، وتحشيد قدرات البنك وتوجيهها لمواجهة الانهيار في سعر صرف العملة الوطنية، باعتبار أن ذلك عامل أساسي في مواجهة التضخم والكساد، وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين، ومواجهة الانهيار الاقتصادي والإنساني.
ومن المهم أن يتميز البنك بالعمل وفق أسلوب التخطيط لمواجهة التحديات والاختلالات الاقتصادية بصورة فاعلة ومؤثرة، تظهر نتائجها على الواقع. وينبغي أخذ العبرة من أن الجمود وعدم التحرك إلا في الحالات الطارئة قد أدّيا إلى ما يبدو عجزاً وفشلاً في استعادة مؤسسات الدولة، وبالتالي انتظار الحلول من الخارج، التي غالباً ما لا تكون واقعية ولا تلبي طموحات الشعب اليمني بكل اتجاهاته.
وأملنا في قيادة البنك المركزي اليمني كبير، لما لديها من كفاءات علمية عالية المستوى، في التفاعل الخلّاق، وأن نلمس تحركاً جاداً نحو تبني سياسات وإجراءات خلاقة لمواجهة التضخم والكساد من مداخل واقعية مناسبة، ومنها تعافي سعر صرف الريال اليمني بطبعته الجديدة، لمواجهة انقسام العملة الوطنية والعمل على تعافيها.
The post البدائل المتاحة لمواجهة انقسام العملة الوطنية اليمنية وتعافيها first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.
أخبار ذات صلة.
حين رسمت فتاة قلبها بالمقلوب!
الثوري نت
منذ ساعة