حزبي
لم تكن "الحوثية" يوماً حركة تجديد ديني أو اجتماعي، ولن تكون، كما لم تكن صاحبة مشروع يخدم المجتمع، بل يخدم مشروع سلالي طائفي أضيق من الضيق، وهذا ما عبرت عنه المسيرة الحوثية طوال أكثر من عقدين، فهي دائماً على الضد من مصالح وعقائد المجتمعات.
وبداية من صعدة مارس الحوثي والعصابة السلالية سياسة جديدة، هي "التوحش" لتكون ممهدة للمشروع السلالي بالرعب، فالحوثي كان يسوق لمشروع غريب ونبتة شاذة وسلوك مستفز للناس في حياتهم وعقيدتهم وهويتهم الوطنية، وقيم الحرية والعدالة والمساواة، ويرى أنه بغير التوحش، فإن المشروع الذي يستفز الناس في أقدس ما يؤمنون به، سيُواجه بمقاومة شرسة ولن يُكتب له النجاح.
وفي كل منطقة تصلها المليشيا السلالية، كانت تتجه دوماً إلى دور العبادة والعلم ومراكز القرآن، واستهداف القائمين عليها وروادها، ثم تبقى أمام خيارين، إما تحويلها إلى أوكار طائفية عنصرية تبث الفكر الحوثي المصبوغ بصبغة إيرانية، أو نسفها من أساسها على وقع الصرخة الإيرانية، وتوثيق ذلك كجزء من مهمة صناعة التوحش وبث الرعب، وامعاناً في استفزاز المجتمع وقهره واذلاله في أعز ما يؤمن به.
هذا السلوك الهمجي لمليشيات قادمة من أدغال التخلف، يعكس حقداً على دور العبادة وتعليم الدين، وعدوان على الوطن وهويته، وهي في حقيقتها حرب وجودية، لعصابة عنصرية ترى نفسها أكبر من شعب.
بدأ الحوثي ومليشياته حربهم على عقيدة اليمنيين وهويتهم من دماج في صعدة، الحوثيين وفي طريقهم فجروا وقصفوا مئات المساجد واختطفوا عشرات الأئمة في عدد من المحافظات اليمنية، ووثقت المنظمات في تقاريرها أعداد كبيرة ومشاهد مروعة لانتهاكات بحق المساجد والمصلين.
ورغم محاولات الحوثي الظهور بمظهر الحريص على الناس والراف للسياسات الحكومية، لكنه لم يستطع إخفاء أنه يقود حركة معادية وباغية على اليمن وشعبه، وحاقده على حضارة اليمن وتاريخه وتراثه وعقيدته وموروثه، لذلك كانت المؤسسات الدينية والتعليمية هي العدو الأول، والهدف كان بوضوح تغليب مذهب وسلالة وطائفة على كل الأراضي اليمنية.
وحيث أن الحوثي مشروعاً لا ينفك عن المشروع الإيراني التوسعي، وبدقة أكثر، ذراع للحرس الثوري الإيراني، بدا واضحاً أن عداواته وأحقاده وحربه تتسع للتجاوز اليمن إلى جواره ومحيطه، وأن استفزازاته تتعدى دور العبادة والعلم في اليمن، إلى مثيلاتها في الجوار، بل وصلت الهمجية إلى استفزاز ملايين المسلمين في أنحاء العالم في أقدس ما لديهم، وهي المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة.
إذا فالحوثية أيضاً هي جزء من مشروع يعادي الأمة العربية والإسلامية، يعاديها في كل ما يتعلق بفكرها المعتدل وتاريخها وحضارتها، وهو عداء تاريخي متوارث من الحركات الباطنية التي انتهجت العنف، فأبرهة الحبشي الذي لم يكن له انتماء ديني ولا قومي في هذا المحيط، لم يكن عداءه بهذه الصورة المستفزة رغم حملة "أصحاب الفيل" التي قادها، ولم يبد كل هذا الحقد رغم نيته هدم الكعبة لصالح مشروع خاص.
الحوثي هو استجرار للحركة القرمطية، ونسخة رديئة للمشروع الفارسي المعادي لكل ما هو عربي واسلامي فعلي، وبذلك فإن العدوان على مقدسات الأمة وابداء نية سوداء تجاه مكة والمدينة، والسعودية كلها، والأمة العربية ككل، هو نتاج لهذا الفكر والحقد المكنون، وإقرار بأن ما يقومون به هي حرب شاملة، ضد الأوطان والشعوب والفكر والعقيدة والمقدسات والهوية، حرب صفرية تسعى من خلالها عصابة وشرذمة منبوذة للتحكم في كل شيء، وهي وإن كانت متدرجة في إطهار عدائها والاستفراد، إلا أنها اليوم ظهرت تعادي كل شيء، وما هجوم الحوثيين على مصر والأزهر إلا فصل من فصول الحقد والعداء.
وحين تعرف أن أئمة المشروع العنصري في اليمن وآخرهم أئمة بيت حميد الدين، لم يؤدوا فريضة الحج، وأن أغلب كهنة الحركة الحوثية كذلك لكنهم زاروا المراقد الشيعية وقم وطهران مراراً، ستدرك أبعاد هذا العداء والحقد الإمامي المستحكم وخطورته.
اليوم عاد أصحاب الفيل في صورة "حوثية" واستعادت الحركة القرمطية نشاطها بشعارات مشابهة وفكر متطابق، فالحار ليس منبتاً عن الماضي، ولا تزال مكة المكرمة والبيت الحرام هدفاً، وستصبح الهمجية الحوثية تاريخاً قاتماً، بينما ستبقى مقدسات الأمة في مكانتها في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، ومصانة بما تمثله السعودية من مكانة.
الإرهاب الحوثي لم يعد خطراً على اليمن فحسب، بل تهديد للمقدسات وللمملكة وللمؤسسات الدينية في الوطن العربي، وللدولة الوطنية العربية برمتها، وخطر على رواد الحرمين الشريفين، والواجب اليوم يقتضي أن تتوحد الدول العربية في انهاء هذا الخطر وقطع أذرعه ليحل السلام وليأمن الناس والمجتمعات، ولتبقى للمقدسات حرمتها ومكانتها.