حزبي
في أحياء صنعاء، تتجاوز مأساة تجنيد الأطفال أرقام الضحايا والمفقودين، إلى حكايات أسر فقدت أبناءها بعد اقتيادهم من المدارس إلى معسكرات التدريب وجبهات القتال، وأخرى اضطرت إلى بيع ما تملك لدفع تكاليف تهريبهم والعودة بهم أحياء.
تكشف شهادات حصلت عليها "الصحوة نت" عن أساليب استدراج وتجنيد قسري تستهدف طلاب المدارس، وسط مخاوف الأهالي من بطش مليشيات الحوثي، وانعدام الوسائل الآمنة لاستعادة أطفالهم بعد وصولهم إلى الجبهات.
من المدارس إلى خطوط النار
يؤكد أهالٍ في صنعاء أن عمليات التجنيد لم تعد تقتصر على الإغراءات المالية والتعبئة الفكرية، بل امتدت إلى إجبار طلاب على الالتحاق بالتدريبات العسكرية.
يقول أحد الآباء: "يأخذونهم غصبا، رضيت أم أبيت. عيال الثانوية يدربونهم الآن، لهم كم أسبوع بالمدارس غصب".
ويروي مواطن آخر اختفاء طفلين من حارته، أحدهما في الرابعة عشرة والآخر في السادسة عشرة، منذ ثلاث سنوات، دون معرفة أسرتيهما بمصيرهما: "قطعوا تواصل أهلهم معهم، ونعرف كثير نفس الشي".
وفي حارة السنينة، يتحدث أهالٍ عن استدراج طلاب بوعود رحلات قصيرة ومصروف يومي، قبل نقلهم على متن أطقم عسكرية إلى معسكرات مغلقة، ومنها إلى الجبهات، حيث يواجهون خطر القتل والإصابة والفقدان.
120 دولارا ثمنًا للنجاة
تكشف شهادات الأهالي أن المستشفيات والنقاط الطبية القريبة من الجبهات تمثل أحيانا الفرصة الوحيدة لاستعادة الأطفال المصابين، عبر وسطاء يساعدون في تهريبهم مقابل مبالغ مالية.
ويقول معلم بإحدى مدارس صنعاء، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ"الصحوة نت": "أصبحنا نفقد الطلاب من الصفوف كأنهم أشباح. المشرفون الحوثيون يستغلون فقر الأسر وحاجة الناس، لكن الفاجعة تبدأ عندما تحاول الأسرة استعادة ابنها؛ فالجماعة ترفض تسليم أي طفل وصل الجبهة".
ويضيف أن بعض الأسر تلجأ إلى ممرضين أو وسطاء في المستشفيات، وتدفع مبالغ تتراوح بين 100 و150 دولارا لتهريب أطفالها عبر طرق نائية نحو المناطق المحررة.
وتجسد قصة "حمزة" (14 عامًا)، من حي مذبح بصنعاء، إحدى هذه المآسي. فبعد إصابته بشظايا هاون في ساقه ونقله إلى نقطة طبية بالحديدة، علم والده بمكانه عن طريق ممرض من الحي نفسه.
لم يجد الأب سوى بيع ذهب زوجته لتوفير 120 دولارا، دفعها لمهرّب نجح، وفق الرواية، في إخراج الطفل خلال تبديل حراسة جناح الجرحى، وإخفائه داخل شاحنة خضراوات، قبل نقله ليلا إلى أطراف محافظة تعز.
الضغط المجتمعي.. قبل فوات الأوان
في المقابل، يلجأ بعض الآباء إلى الضغط الاجتماعي لاستعادة أطفالهم قبل نقلهم خارج صنعاء.
ويقول موجه تربوي في العاصمة لـ"الصحوة نت" إن تحرك الأسرة سريعا، والاستعانة بعقال الحارات والوجهاء، والتهديد بكشف عمليات التجنيد، قد يدفع بعض المشرفين إلى إعادة الأطفال تجنبًا لغضب الأهالي.
ويكشف أن المشرف قد يحصل على عمولة تصل إلى 50 ألف ريال يمني مقابل تجنيد كل طفل، ما يدفعه إلى إخفاء مكانه حتى يُنقل إلى المعسكرات.
ويضيف: "بمجرد نقل الطفل إلى معسكرات صعدة أو جبهات مأرب والجوف، تنتهي قدرة الأسرة على التأثير، وتصبح العودة مرتبطة برحلة فرار خطرة".
ويشير إلى روايات عن مقتل أطفال حاولوا الهروب من نقاط عسكرية، في حوادث يقول إنها استُخدمت لترهيب بقية المجندين.
الفقر يغذي التجنيد..
مع تدهور الأوضاع المعيشية وانقطاع المرتبات، تستغل شبكات التجنيد حاجة الأسر، وتغري الأطفال برواتب شهرية وأسلحة ووعود بمكانة اجتماعية.
ويروي مواطن في صنعاء أنه اشتبك مع مشرف حاول استدراج ابنه البالغ 16 عاما، مقابل راتب وبندقية كلاشينكوف، قائلا: "نجوع في بيتنا ولا أرسل ابني للموت المحقق".
لكن الأطفال الذين ينجون من الجبهات لا يعودون بالضرورة إلى حياتهم الطبيعية.
يقول ماهر جابر، أخصائي نفسي واجتماعي في صنعاء، لـ"الصحوة نت": "الجميع يتحدث عن أعداد الأطفال الذين يذهبون للجبهات والمبالغ التي تُدفع لتهريبهم، لكن لا أحد يتحدث عن جروح ما بعد الهروب".
ويوضح أن كثيرا من العائدين يعانون من كوابيس واضطرابات نفسية وآثار جسدية عميقة، مؤكدًا أن الحرب تظل تلاحق الطفل حتى بعد نجاته.
ويختصر الطفل عبد الحميد، أحد العائدين، هذه المعاناة بقوله: "كل ليلة أفزع من نومي وأنا أسمع صوت الهاون، وأشوف أصحابي اللي طارت أرجلهم قدام عيني. أنا خرجت وجسمي فيه شظايا، بس عقلي ما زال هناك في الخندق".
وبين أطفال اختفوا دون أثر، وآخرين عادوا مثقلين بالجراح، تبقى أسر صنعاء أمام مأساة تتجاوز التجنيد إلى البحث عن طريق للنجاة، ولو بثمن يفوق قدرتها.
فإذا كانت 120 دولارا قد أعادت حمزة من محرقة الجبهات، فكم من طفل لا تزال أسرته عاجزة عن دفع ثمن عودته، أو حتى معرفة مصيره؟