حزبي
صحيفة الثوري – (رأي)
أحمد حرمل
في مثل هذه اللحظات القاسية، لا تملك الكلمات إلا أن تنحني خجلا أمام حجم الدماء التي سالت على أرض شبوة.
يوم أمس، الاثنين التاسع عشر من أكتوبر، لن يمر على ذاكرة الجنوب مرور الكرام؛ فقد هزت مجزرة معسكر “العلم” كياننا جميعا، وتركت في القلب جرحا عميقا لا يندمل.
لقد استهدف القصف الصاروخي، الذي شنه الحوثيون بثلاثة صواريخ باليستية، مركز “الشهيد أحمد السليماني” التدريبي في أطراف مدينة عتق.
هؤلاء الشباب لم يكونوا في ساحة معركة، بل كانوا في طابورهم الصباحي، يتلقون التدريب والتأهيل الأمني، يحملون أحلاما بسيطة بوطن آمن ومستقر.
لكن آلة الموت الحوثية لم ترحم حتى لحظة التجمع تلك، فسقط 53 شهيدا وأكثر من 200 جريح، في واحدة من أعنف الهجمات التي تستهدف أبناءنا.
الوجع الذي يعتصرنا اليوم ليس مجرد أرقام تقرأ في النشرات الإخبارية؛ إنه وجع أمهات ينتظرن أبناءهن الذين خرجوا صباحا ولم يعودوا، ووجع أب فقد فلذة كبده، ووجع زوجات وثكالى أنهكن الانتظار.
إنه المشهد الذي هرعت فيه سيارات الإسعاف بمساعدة مركبات المواطنين، لتنقل الأشلاء والجرحى إلى مستشفيات عتق، بينما توافد مئات المواطنين للتبرع بدمائهم، وكأنهم يحاولون بدمائهم أن يعيدوا الحياة إلى جسد مزقته الصواريخ.
نعم، إنها شبوة التي تدفع الضريبة غالية، وليس وحدها بل كل الجنوب الذي يتجرع مرارة الفقد.
لكن الدماء التي سالت أمس لا يمكن أن تختصر في مشهد الحزن والبكاء فحسب؛ خلف هذا المشهد يقف سؤال موجع لا يمكن تجاوزه أو دفنه مع الشهداء.
قيادة معسكر العلم.. نوم في العسل تحت أزيز المسيرات
بحسب شهادات ناجين ومصادر محلية، فإن طائرة استطلاع يشتبه بأنها حوثية ظلت تحلق فوق المعسكر لثلاثة أيام متتالية تسبق المجزرة.
ثلاثة أيام من الرصد المكشوف لموقع عسكري تدريبي، دون أن يتحرك أحد، ودون أن تفعل أنظمة التحذير المبكر، ودون أن تتخذ أي إجراءات احترازية تذكر.
الأمر لم يتوقف عند حدود التحليق، بل تعداه إلى جريمة التجميع؛ ففي اليوم الثالث للاستطلاع، تم حشد نحو 700 مجند في ساحة مكشوفة ضمن طابور صباحي روتيني، وكأن شيئا لم يكن.
وكأن سماء شبوة لم تكن مسرحا لطائرات العدو قبل ساعات فقط.
هذا التجاهل المطلق لبديهيات الأمن العسكري لا يوصف بأنه “خطأ” أو “قصور”، بل هو عيب فاضح في الحس الأمني وغياب مروع للإحساس بالمسؤولية عن أرواح البشر.
لقد كشفت هذه الفاجعة أن المشكلة لم تكن في قوة النيران الحوثية بقدر ما كانت في هشاشة المنظومة الأمنية التي تحمي أبناءنا.
فحين تتحول المعسكرات إلى ساحات مفتوحة للاستهداف، وحين يترك المجندون لقمة سائغة لصواريخ العدو رغم كل المؤشرات، فإن المسؤولية هنا لا تقع على العدو وحده، بل على كل من أدى دورا في هذا الإهمال.
وهنا لا يمكن تجاوز السؤال الأكثر إيلاما: أين كانت قيادة معسكر “العلم” خلال تلك الأيام الثلاثة؟ مسيرة حوثية تحلق فوق موقع تدريبي، ثم يحشد نحو 700 مجند في ساحة مكشوفة وكأن شيئا لم يكن.
إنها لا تبدو صورة “قصور” عابر، بل صورة نوم في العسل تحت أزيز المسيرات؛ نوم دفع ثمنه الشباب دماء، بينما بقي من كان يفترض أن يحمي ظهورهم بعيدا عن أي مساءلة.
من العند إلى شبوة.. سلسلة الخلل التي تسبق الدماء
لم تكن مجزرة معسكر “العلم” في شبوة جرحا أول، بل حلقة في سلسلة من الفشل الأمني الذي تكرر أمام أعيننا دون أن يتحرك أحد.
ففي يناير 2019، استهدفت طائرة حوثية مسيرة عرضا عسكريا في قاعدة العند، في لحظة تجمع القيادات في منصة واحدة، فسقط اللواء صالح الزنداني نائب رئيس هيئة الأركان واللواء محمد صالح طماح رئيس الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى عدد من الجنوبيين بين قتيل وجريح.
والأمر الأكثر دلالة على هشاشة المؤسسة العسكرية آنذاك أن البعض اعتقد في اللحظات الأولى أن الطيران الذي اقترب من أجواء المنصة “طيران صديق”.
والأدهى من ذلك، بحسب روايات الحاضرين، أن الطيران الذي كان يقترب من أجواء المنصة لم تطلع باتجاهه طلقة واحدة.
وهنا تتكشف الكارثة على حقيقتها؛ فسواء كان الطيران فعلا صديقا أو أن القوات لم تملك القدرة على تمييزه، فإن النتيجة واحدة: غياب منظومة تحديد الصديق من العدو، وانعدام جاهزية الدفاع الجوي، وغياب قواعد الاشتباك الواضحة، وفقدان الثقة في أي معلومة تصل.
فكيف تترك منصة تجمع قيادات عليا بلا غطاء جوي ولا إنذار مبكر ولا قرار اشتباك؟ وكيف يقترب طيران من موقع عسكري حساس دون أن تطلق طلقة واحدة؟
هذا العجز لم يكن تفصيلا هامشيا في حادثة العند، بل كان إعلانا مبكرا عن هشاشة المنظومة الأمنية التي سقط فيها لاحقا أبناء شبوة.
فالقوات التي لا تستطيع تمييز طيران معاد يقترب من منصتها، ولا تملك شبكة اتصالات مؤمنة، ولا تفرض إجراءات احترازية بعد رصد طائرات استطلاع تحلق لثلاثة أيام فوق معسكرها، هي قوات تدار بمنطق رد الفعل، لا بمنطق حماية الأرواح.
ولعل استعادة حادثة ملعب الصمود بالضالع تكشف حجم الهشاشة التي نعيشها.
ففي 30 ديسمبر 2019، أطلق الحوثيون صاروخا باليستيا استهدف ملعب الصمود حيث كان يقام عرض عسكري وحفل تخرج لقوات الحزام الأمني.
وبحسب الروايات، فإن الصاروخ سقط بعد انتهاء الاحتفال بدقائق فقط، وكأن القدر وحده هو من حال بين المدينة وبين مذبحة كبرى، لا المنظومة الأمنية.
ومرة أخرى، لم تكن النجاة بفضل استعداد مسبق أو إنذار مبكر، بل كانت محض صدفة. وإذ نستحضر حادثة ملعب الصمود، نود الإشارة إلى أن ضحايا الصاروخ الذي استهدف الملعب لم يعتمدوا شهداء وجرحى، رغم صدور قرار رئاسي من الرئيس هادي باعتمادهم كذلك، وحتى اليوم، وبعد سبع سنوات، لم تصرف لهم رواتبهم.
والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تكررت هذه الكوارث؟ الإجابة تكمن في خلل بنيوي لم يصلح قط؛ فالمؤسسة العسكرية التابعة للشرعية ظلت لسنوات تعتمد على شبكات اتصالات مدنية، بلغ الأمر أن الحوثيين يستغلون سيطرتهم على شركات الاتصالات لاختراق اتصالات القوات وتحديد مواقعها.
ومشروع إنشاء شبكة اتصالات عسكرية مستقلة ومؤمنة تم استيراد تجهيزاته، لكنه جمد بدعوى ملفات فساد، وبقيت معداته أشهرا في المنافذ قبل أن تسرب وتباع، وفق تصريحات خبراء.
فكيف لقيادة عسكرية أن تحمي أرواح جنودها وهي تتواصل عبر شبكة يتحكم بها العدو؟
الضالع.. حين تتكرر المسيرات ويبقى الدرس غائبا
وفي الضالع، تتجدد المؤشرات نفسها التي سبقت مجزرة شبوة، دون أن يتحرك أحد.
فقد أفاد سكان محليون بأن طائرات مسيرة حلققت اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر على ارتفاع منخفض فوق عدد من المعسكرات العسكرية في المحافظة لوقت ملحوظ، دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها أو تكشف طبيعة تلك الطائرات وأهدافها.
هذا التحليق الغامض، في محافظة سبق أن دفعت ثمن استهداف ملعب الصمود، أعاد إلى الأذهان سيناريو شبوة المرعب؛ فخشية الشارع الضالعي لم تكن وهما، بل استنتاجا منطقيا من مشهد يتكرر أمام أعين الجميع دون إجراءات احترازية حقيقية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم مع كل مسيرة تحلق فوق الضالع: إلى متى سنترك أرواحنا رهينة للصدفة، بينما الدروس تدفن مع الشهداء دون محاسبة أو إصلاح حقيقي؟
خاتمة.. دماء تسأل
ما حدث في العند، ثم الصمود، ثم شبوة، ليس سلسلة أخطاء متفرقة، بل منظومة كاملة من غياب المسؤولية، حيث يذهب الجنود ضحايا لخلل إداري وأمني كان يمكن تفاديه، بينما يبقى السؤال دون جواب: من يحاسب؟ ومن يتحمل دماء هؤلاء الشباب؟
دماء شهداء “العلم” لن تغتفر ما لم يفتح تحقيق شفاف يحدد المقصرين ويحاسبهم، لأن الأرواح التي سقطت لم تذهب في معركة، بل ذهبت ضحية خلل كان يمكن تفاديه ببساطة لو أن أحدا شعر بثقل الأمانة.
رحم الله شهداء شبوة، وشفى جرحانا، وألهم أهليهم وذويهم الصبر والسلوان. إن قلوبنا جميعا تنزف اليوم بلون العلم الجنوبي، وتدعو الله أن يحفظ الجنوب وأهله من كل سوء.
The post دماء شبوة.. حين يتحول الإهمال إلى تواطؤ first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.