حزبي
«صحيفة الثوري» – (رأي):
نبيل غالب
لم تكن تعز يوماً محافظة عادية في الحسابات اليمنية، بل كانت ولا تزال شوكة الميزان التي يختل أو يعتدل بها المشهد الوطني برمته. ليست مجرد مدينة على خريطة الحرب، بل هي البوصلة التي تحدد مآلات اليمن كله، من يفهم تعز يفهم اليمن، ومن يكسر تعز يكسر اليمن، ومن يصمد فيها يحفظ لليمن هويته وجمهوريته وعروبته.
جغرافياً وسياسياً، تقف تعز في القلب تماماً. هي الجسر الرابط بين الشمال والجنوب، بين صنعاء وعدن، بين الهضبة والساحل، تطل على باب المندب وتحتضن ميناء المخا التاريخي وتتحكم بعقدة المواصلات التي تربط تعز وإب والحديدة وعدن وصنعاء.
لهذا لم تكن الحرب على تعز عبثية ولا عفوية، بل كانت مقصودة ومخططاً لها بعناية. فمنذ اللحظة الأولى لانقلاب مليشيا الحوثي عام 2014، أدركت أن السيطرة على اليمن لا تكتمل إلا بإخضاع تعز. فإذا كانت صنعاء قد سقطت بالخديعة، وصعدة بالسلالة، فإن تعز لا تسقط إلا بالدم، لأنها مدينة ترفض الضيم بفطرتها.
وتكمن خطورة تعز بالنسبة للمشروع الحوثي في كونها الكتلة السكانية الأكبر، والثقل التعليمي والثقافي والأقتصادي والسياسي لليمن. هي التي أفشلت مقولة “الشمال شمال والجنوب جنوب”، وقدمت نفسها كيمن مصغر، فيه الشافعي والزيدي، العدني والصنعاني، يتعايشون بمشروع مدني واحد، وهذا المشروع المدني هو العدو الأول للمشروع الإمامي الكهنوتي القائم على الاصطفاء والسلالة والحق الإلهي.
لم تواجه تعز الحوثي بوصفها مدينة مسلحة فقط، بل واجهته بوصفها مدينة العلم والثقافة. تعز التي أنجبت رواد التنوير وأولى الجامعات وأعرق المدارس والصحافة الحرة والمسرح والشعر. والمشروع الحوثي المدعوم من طهران أدرك مبكراً أن إسقاط صنعاء لا يكفي لإعلان الإمامة، ما لم تسقط تعز التي تمثل الوسط الجمهوري الرافض لفكرة الاصطفاء السلالي. لذلك كان القرار الحوثي واضحاً: يجب إخضاع تعز ولو أبيدت.
ولهذا كان استهدافها مضاعفاً، لم يقتصر على الجبهات، بل طال هوية المدينة نفسها. مشروع يستبدل المدرسة بالملزمة، والجامعة بالحسينية، والمعلم بالسيد، والنشيد الوطني بصرخة الموت. وخلال قرابة 12 عاماً من الحرب، وثقت التقارير المحلية والدولية قصفاً ممنهجاً لأكثر من 400 مدرسة وجامعة ومنشأة تعليمية، واستهدافاً مباشراً لمستشفيات الثورة والروضة والجمهوري، وزراعة أكثر من 70 ألف لغم في الأحياء السكنية والطرق الزراعية، وحصاراً خانقاً ومطبقاً منذ أغسطس 2015 يعد الأطول في التاريخ العربي الحديث.
لقد أغلقت المليشيا المنافذ الأربعة الرئيسية للمدينة وأجبرت أكثر من ثلاثة ملايين نسمة على سلوك طرق جبلية وعرة تستغرق ثماني ساعات بدلاً من خمس عشرة دقيقة، في حصار يمنع الدواء والغذاء والماء ويقنص النساء والأطفال في الشوارع. أرادت المليشيا أن تجعل من تعز عبرة لكل مدينة تفكر بالمقاومة، فحولتها تعز إلى أسطورة لكل مدينة تريد الحرية.
نحن اليوم أمام صمود لا يمكن تفسيره بالمنطق العسكري وحده. ففي مارس 2015، عندما دخلت أرتال الدبابات الحوثية إلى أطراف تعز، لم يكن فيها جيش نظامي، كان فيها طلاب ومعلمون وأطباء وعمال خرجوا ببنادقهم الشخصية ليكتبوا أول بيان مقاومة حقيقية في اليمن. ومنذ ذلك اليوم سطرت هذه المحافظة الباسلة أربع ملاحم كبرى ستبقى في ذاكرة اليمنيين طويلاً.
سطرت أولاً ملحمة المقاومة الشعبية، حين أفشلت مخطط السقوط السريع وحولت المدينة إلى مقبرة للغزاة وقدمت أكثر من 20 ألف شهيد وجريح في سبيل الوطن.
وسطرت ثانياً ملحمة الصمود المدني، فعلى الرغم من القنص اليومي للأطفال والنساء في شوارع بير باشا ووادي القاضي، بقي السكان في منازلهم، لم تنزح المدينة، ظلت الأسواق تفتح والمدارس تعمل تحت القصف في رسالة بليغة أن الحياة أقوى من الموت.
وسطرت ثالثاً ملحمة إسقاط أسطورة الحوثي، فالمليشيا التي أسقطت ألوية الحرس الجمهوري في صنعاء خلال ساعات، عجزت عن إسقاط حارة واحدة في تعز لسنوات، مما كسر صورتها كقوة لا تقهر وأعطى الأمل لكل اليمنيين بأن المشروع الحوثي قابل للكسر.
وسطرت رابعاً ملحمة الدولة، فبينما كانت المليشيا تفجر المنازل وتفخخ الطرق، كانت تعز تحافظ على المحكمة والجامعة والنقابة والصحيفة، لأن أبناءها يدركون أن المعركة ليست بندقية فقط، بل هي معركة وعي بين مشروع الدولة ومشروع الميليشيا.
إن بقاء تعز محاصرة ومخذولة أحياناً هو خطر على التوازن الوطني كله. فكسر شوكة الميزان هذه يعني تكريس انقسام اليمن إلى كيان حوثي سلالي في الشمال وكيانات متصارعة في الجنوب وضياع الوسط الجمهوري الضامن لوحدة اليمن وهويته العربية، ونجاح المشروع الصفوي في فصل اليمن عن محيطه العربي عبر بوابة باب المندب. أما انتصار تعز وفك حصارها ودعم جيشها وأمنها فهو انتصار للجمهورية اليمنية وللعروبة وللفكرة المدنية ضد فكرة الكهنوت.
تعز اليوم لا تطلب شفقة بل تطلب إنصافاً، تطلب أن يفك حصارها رسمياً لا إعلامياً، وأن تدعم مقاومتها، وأن تعامل كعاصمة ثقافية وسياسية لليمن لا كمدينة منسية في تقارير الإغاثة.
اثنا عشر عاماً وتعز تقول لليمنيين جميعاً: يمكنكم أن تحاصروا المدينة لكن لا يمكنكم أن تحاصروا الفكرة، يمكنكم أن تقصفوا البيوت لكن لا يمكنكم أن تقصفوا الكرامة.
ستبقى مدينة تعز الحالمة تقاتل بيد وتحمل الكتاب باليد الأخرى، حتى ينجلي هذا المد الصفوي الدخيل وتعود اليمن إلى أهلها جمهورية عربية أصيلة لا إمامة دخيلة، وستظل شوكة الميزان التي لا تنكسر.
The post تعز .. شوكة الميزان بين الجنوب والشمال first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.