أكتوبر يتجدّد .. من جبال ردفان إلى جبال كهبوب
حزبي
منذ ساعة
مشاركة
صحيفة الثوري – (مقال رأي) أحمد حرمل لم تكن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963 حدثاً معزولاً عن سياقها الزماني، بل جاءت في زمن كانت فيه حركات التحرر العربية والعالمية في أوج مدها، والعالم يعيش ثنائية القطبين، ومصر عبد الناصر تمسك بوصلة التحرر العربي وتشد أزر الثوار من الجزائر إلى صنعاء الى عدن، فكان للثائر ظهير عربي ودولي، وللنضال شرعية وصدى؛ وقد أجاد قادة الثورة اختيار النهج والزمان المناسب، والتقطوا اللحظة التاريخية، وكان لديهم مشروع واضح هو تحرير الجنوب وتوحيده في كيان سياسي واحد وإقامة الدولة الوطنية. أن ثورة الرابع عشر من أكتوبر 1963، رغم اتساع ظهيرها العربي والدولي، ظلت في جوهرها ثورة اعتمدت على نفسها وعلى شعبها؛ فقرارها كان وطنياً خالصاً، وحاضنتها الأولى كانت الجماهير، وتضحياتها من أبناء الجنوب. لم تكن ثورة تُدار بالمال السياسي، ولا حركة مرتهنة لتمويلات أو إملاءات، بل نهضت من رحم المعاناة الشعبية، واستمدت قوتها من إرادة الناس والتفافهم حولها، لا من الأموال والصفقات ولذا انتصار في زمن وجيز وحققت الاستقلال الوطني الناجز بعد اربع سنوات من الكفاح . أما اليوم، وقد تبدلت موازين القوى وتشظت الأقطاب وتراجعت حواضن التحرر، فإن ما يجري في جبال كهبوب — إن جاز لنا أن نسميه ثورة — هو ثورة من نوع آخر، تدفع كلفتها من دماء أبناء الجنوب وحدهم، في مواجهة تحديات مركبة تهدد السيادة والممرات الحيوية؛ وحتى إن وُجد لها حلفاء، فإنهم لا يتحركون إلا وفق حسابات المصالح، ولا يمدون يد الدعم إلا حين يمس الخطرٌ أمنهم وتصبح مصالحهم في مهب الريح، فيبقى الثائر في كهبوب وحده يدفع الثمن، ويقدّم التضحيات، وينتظر نصراً لا يُصنع إلا بدمه وصبره. فإذا كانت ردفان قد انطلقت وكان للثورة ظهير عربي وشرعية عالمية، فإن كهبوب 2026 تنهض في زمن عزّ فيه الحلفاء وقلّ فيه الأنصار، وصارت فيه التضحية أضعافاً مضاعفة، والنصر يحتاج إلى أضعاف ما احتاجه الأجداد من صبر وصمود. لكن هذا الظهير العربي والدولي لم يلغِ حقيقة أن ثورة أكتوبر اعتمدت على نفسها وعلى شعبها، وبقيت بعيدة عن المال السياسي؛ فكان الشعب سلاحها وخزينتها وظهرها الأول. في الرابع عشر من أكتوبر 1963، انطلقت من قمم جبال ردفان الشامخة شرارة ثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، لتشعل فتيل الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني الذي جثم على جنوب اليمن لنحو 128 عاماً. اطلق المناضل راجح بن غالب لبوزة أولى الرصاصات من على تلك المرتفعات، ومعه ثلة من الثوار الأحرار الذين استطاعوا مواجهة أعتى إمبراطورية استعمارية في ذلك الوقت. لم تكن تلك الشرارة مجرد حدث عابر، بل كانت إيذاناً ببدء مرحلة كاملة من النضال المسلح قادته الجبهة القومية وأستمرت أربع سنوات، واجه خلالها الثوار القصف البريطاني بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، حتى تحقق الاستقلال في الثلاثين من نوفمبر 1967. بعد ثلاثة وستين عاماً، تعود ذكرى أكتوبر لتتجدد من قلب جبال كهبوب، في مشهد يجسد استمرارية النضال ذاته. ففي الثامن من أكتوبر 2026، أعلنت قبائل الصبيحة ومعها كل الوطنيين الشرفاء من ابناء الجنوب إحكام سيطرتها الكاملة على جبهة كهبوب الجبلية الاستراتيجية المطلة مباشرة على مضيق باب المندب. وكما كانت ردفان بوابة الحرية في الستينيات، تأتي كهبوب اليوم لتكون جذوة أكتوبر التي لا تخبو، وألقها الذي لا يخفت، وروحها الكفاحية التي لا تنكسر حاسمة في مواجهة تحديات جديدة، في امتداد طبيعي لروح أكتوبر التي لم تمت. الرابط بين ردفان وكهبوب ليس مجرد رابط رمزي فحسب، بل هو امتداد حقيقي لمسيرة نضالية واحدة. فالثورة التي انطلقت من ردفان عام 1963 لتحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني، تجد اليوم امتدادها الطبيعي في كهبوب التي تواجه تحديات جديدة تهدد السيادة الوطنية والممرات الحيوية. هذا التجدد للنضال الأكتوبري يتجلى أيضاً في الحشود الشعبية التي تدعت الى الصبيحة تكرار لمشهد تداعي ثوار أكتوبر الى ردفان إنها رسالة واضحة بأن روح أكتوبر لا تزال حية في وجدان اليمنيين، وأن إرادة الشعوب الحرة لا يمكن أن تُقهر. تأتي ذكرى أكتوبر هذا العام في ظل ظروف استثنائية، حيث يواجه الجنوب تحديات وجودية تتطلب استلهام دروس ثورة أكتوبر. إن الحفاظ على ألق ثورة أكتوبر وتوهجها عبر هذه العقود لم يكن محض صدفة، بل يعود في جوهره إلى أن أحفاد ثوار أكتوبر حملوا قيمها ومضامينها، وجسدوها في نضالاتهم وتضحياتهم. فجيل اليوم، الذي يواجه تحديات جديدة، حافظ على وهج الثورة وحماها من الانطفاء، وسينتصر لأهدافها وقيمها. وهكذا تظل ثورة أكتوبر حية في وجدان الأجيال، لأنها لم تكن يوماً مجرد حدث عابر، بل كانت حدث تاريخي ولا تزال مدرسة في النضال والتضحية والوفاء للوطن. إن صمود كهبوب وانتصاره يمثل اليوم تجسيداً عملياً لهذا الإرث الأكتوبري، حيث تتحول الذكرى من مجرد استعادة للذاكرة إلى فعل نضالي ملموس على الأرض. بعد ثلاثة وستين عاماً، يبقى أكتوبر نابضاً بالحياة، متنقلاً من قمة إلى قمة، من ردفان إلى كهبوب، ومن جيل إلى جيل. إنها ليست مجرد ذكرى نحتفل بها، بل مسيرة نضال متواصلة تتجدد بتجدد التحديات. فالثورة التي انطلقت من جبال ردفان لتواجه أعتى إمبراطورية استعمارية، تجد اليوم في جبال كهبوب امتداداً طبيعياً لها، في مواجهة تحديات جديدة وقوى ظلامية جديدة تهدد السيادة والممرات الحيوية. وهكذا يبقى أكتوبر شاهداً على أن إرادة الشعوب الحرة قادرة على تغيير مسار التاريخ، وأن قيمة الثورات لا تقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بما تتركه من مبادئ وقيم تلهم الأجيال جيلاً بعد جيل. ولمن يهاجم ثورة اكتوبر ويسيء قادتها نقول تظل وستظل ثورة أكتوبر حية ونقية في الوجدان، لأنها اعتمدت على نفسها وعلى شعبها، وبقيت بعيدة عن المال السياسي، فلم تكن يوماً مشروعاً مشترياً ولا ثورة مأجورة، بل كانت إرادة شعب آمن بقضيته، وقاتل من أجل حريته، فاستحق النصر والخلود. The post أكتوبر يتجدّد .. من جبال ردفان إلى جبال كهبوب first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية