الأصنام التي لم نحطّمها بعد..!!
حزبي
منذ ساعتين
مشاركة
صحيفة الثوري – (رأي) إلهام محمد زارعي من قال إن عصر الأصنام انتهى؟ ومن أقنعنا أن الأصنام لا تُصنع إلا من الحجارة؟ لعلّ أخطر الأصنام في زماننا تلك التي لا نراها لأنها تسكن العقول، وتتخفّى في الكلمات، وتجلس معنا إلى موائد الطعام، بل قد تنام معنا تحت سقف واحد. كل فكرة تُقدّس الحرب صنم، وكل رأي يرفض الاختلاف صنم، وكل كلمة تجرح ولا تعرف الاعتذار صنم، وكل صوت يعتقد أن ارتفاعه دليل على صوابه صنم. فالصنم ليس دائمًا ما ننحني أمامه، بل قد يكون ما نرفض أن نتحرّر منه، ولو كان سببًا في شقاء أنفسنا والآخرين. وما أغرب الإنسان..!! استطاع أن يُحرّك الجبال، ويشقّ البحار، ويصل إلى الفضاء، لكنه قد يعجز عن تحريك فكرة تجمّدت في رأسه منذ طفولته ، يهدم جدارًا من الإسمنت، ثم يقضي عمره يبني جدرانًا بين قلبه وقلوب البشر. وللأصنام وجوه كثيرة؛ فالسلطة حين تنسى أنها مسؤولية صنم، والمال حين يصبح مقياسًا لقيمة الإنسان صنم، والعادات حين تُقدّس ولو آذت البشر صنم، والهوية حين تتحوّل من جذور للانتماء إلى أسوار للإقصاء صنم، وأخطرها أن يظنّ الإنسان أنه وحده يمتلك الحقيقة. ولكن ماذا يحدث حين تدخل هذه الأصنام إلى الأسرة؟ أبٌ يحب أبناءه لكنه يظن أن الهيبة لا تتحقق إلا بالخوف، وأمٌّ تحب أطفالها لكنها لا ترى لهم مستقبلًا إلا الذي اختارته، وطفلٌ يكبر معتقدًا أن الاعتذار ضعف، وفتاةٌ تتعلّم أن الصمت هو الحل حتى حين تُهان كرامتها. وهكذا لا تنتقل الأصنام بين الأجيال على ظهور القوافل، بل عبر كلمة نردّدها، أو صرخة نطلقها، أو ظلم نمارسه باسم التربية. فالطفل لا يرث أثاث البيت وحده، بل يرث أيضًا طريقة أهله في الغضب، ونظرتهم إلى المختلف، ومفهومهم للقوة والكرامة. وفي اليمن، حيث أنهكت الحرب الأرض والإنسان، لعلّنا أحوج ما نكون إلى تحطيم الأصنام التي تصنع الخصومات قبل أن تصنعها البنادق. فكيف نحلم بوطن يتّسع للجميع، إن كانت مائدة الأسرة لا تتّسع لرأي طفل؟ وكيف نطالب بالسلام في المجتمع، ونحن نعلّم أبناءنا أن المنتصر في الخلاف هو الأعلى صوتًا؟ إن الحرب قد تبدأ بفكرة جامدة ترى الاختلاف تهديدًا والحوار هزيمة، بينما يبدأ السلام من أب يعتذر، وأم يُصغى إليها، وطفل يُحترم رأيه، وأسرة تختلف دون أن تتصدّع محبتها. وليس كل ثبات جمودًا؛ فالمبدأ الحيّ كالشجرة، جذوره راسخة لكنه ينمو ويُثمر ويمنح الظل، أما التعصّب فكالخشب اليابس، يحتفظ بشكله ويفقد قدرته على الحياة. تأمّلوا الماء، لا يمنح الحياة إلا حين يجري، والقلب لا يبقى حيًّا لأنه يحتفظ بالدم، بل لأنه يحرّكه إلى سائر الجسد. وكذلك الأسرة والمجتمع؛ لا تحفظهما القسوة ولا الآراء المتحجّرة، بل حركة الرحمة والعدل والتعلّم والتسامح. ولعلّ أعظم ثورة يحتاجها عالمنا ليست التي تُسقط تمثالًا من ساحة، بل التي تُسقط من داخل الإنسان اعتقاده بأن القسوة قوة، وأن التسامح ضعف، وأن المرأة أقل شأنًا، وأن الطفل بلا رأي، وأن المختلف عدو، وأن الاعتذار هزيمة. فما أكثر الأصنام التي نحملها دون أن نشعر، وما أقصر المسافة أحيانًا بين تحطيمها وبين جملة شجاعة: «ربما كنتُ مخطئًا». فلنفتّش عن أصنامنا قبل أن نفتّش عن أصنام الآخرين، ولنبدأ من البيت؛ فليس أعظم ما نورّثه لأطفالنا بيتًا من حجارة، بل عقلًا لا يخاف السؤال، وقلبًا لا يخجل من الرحمة، وضميرًا لا يساوم على كرامة إنسان. فالحجر حين يتحرّك قد يصبح جسرًا، والفكرة حين تتحرّر قد تصبح نورًا، والقلب حين يلين قد يصبح وطنًا. وما كان جامدًا يُجفّف الحياة من حوله، وما تحرّك نحو المحبّة والعدل حمل روح الحياة. والأسرة أمّة مصغّرة؛ إن تحرّرت من أصنام القسوة والتعصّب، أنجبت وطنًا يعرف كيف يعيش أبناؤه معًا، لا كيف ينتصر بعضهم على بعض. The post الأصنام التي لم نحطّمها بعد..!! first appeared on الثوري | آخر أخبار اليمن والأخبار العربية والدولية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية