كيف يمول شباب تعز "معركة الكرامة" من أحلامهم ومصدر رزقهم؟
حزبي
منذ 3 ساعات
مشاركة
في مدينة تعز، لم يعد الدفاع عن الأرض والحرية مجرد مهمة عسكرية محصورة في الجبهات الرسمية، بل تحوّل إلى مبادرة ذاتية خالصة نابعة من صميم المجتمع وعزيمة أفراده انطلاقاً من إيمانهم بضرورة الخلاص من مليشيات الحوثي الكهنوتية. هناك، يستشعر المواطن العادي مسؤوليته المباشرة في خوض "معركة الكرامة"، دون انتظار الدعم من أحد أو الاستسلام لظروف الحصار الخانق. وفي مشهد يلخص هذه الروح المجتمعية والوعي الفردي العميق، يبادر الشباب طواعية بالتخلي عن مصادر أرزاقهم وأحلامهم الشخصية، ليقوموا بتمويل تسليحهم بأنفسهم، والوقوف في خطوط الدفاع الأولى عن مدينتهم وقراهم. هذا التوجه الذاتي نحو الدفاع عن المدينة، جسده بوضوح الناشط عبدالجبار نعمان عبر منشور مقتضب لكنه بالغ الدلالة، نشره مؤخراً في حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي. كتب نعمان أنه عاد للتو من سوق السلاح، وفي يده ثلاث قطع سلاح اشتراها لثلاثة شباب من قريته بأموالهم الخاصة. وفي تصريحات خاصة ومفصلة لموقع "الصحوة نت"، روى نعمان بقية تفاصيل هذه المبادرة، كاشفاً عن كواليس القرارات الصعبة التي اتخذها هؤلاء الشباب، والتي تضع مصلحة مدينتهم وكرامة مجتمعهم فوق كل اعتبار شخصي. طموح أكاديمي في خندق الدفاع الأول يستهل الناشط عبدالجبار نعمان حديثه لـ"الصحوة نت" بوصف حالة الاستنفار الذاتي التي تدفع شاباً في مقتبل العمر لبيع مستقبله من أجل حاضره. يقول نعمان: "القرار لم يكن سهلاً على أي منهم، لكنهم تحركوا بدافع المسؤولية الشخصية المطلقة، لقد أدركوا أن قريتهم بحاجة إليهم الآن أكثر من أي وقت مضى". ويوضح نعمان أن الشاب الأول هو طالب طموح يدرس في المستوى الرابع والأخير بتخصص تقنية المعلومات. هذا التخصص يتطلب بطبيعة الحال جهاز حاسوب محمول (لابتوب) يعتمد عليه الطالب كلياً في دراسته، وتطبيق مشاريعه العملية، وكتابة أكواد التخرج. وبقرار ذاتي حاسم، توجه هذا الطالب لبيع جهازه الشخصي ليوفر قيمة السلاح. يشير نعمان في حديثه إلى أن الطالب تخلى عن الأداة التي تبني مستقبله المهني، لإدراكه العميق أن الشهادة الجامعية في مدينة مسلوبة الإرادة لا تحمل أي قيمة. لقد استشعر أن المعركة الحالية تستدعي حضوراً ميدانياً يحمي هذا المستقبل من الأساس، فقرر أن يشارك في المعركة بجهده وماله الخاص دون أن يطلب المساعدة من أحد، مفضلاً أن يكون رقماً صعباً في معادلة الدفاع عن مدينته. دراجة نارية.. لقمة العيش تتحول إلى بندقية المبادرات المجتمعية في تعز لم تقتصر على تأجيل الأحلام الأكاديمية، بل مست عصب الحياة اليومية ولقمة العيش الصعبة. ينتقل نعمان في تصريحاته الخاصة لـ"الصحوة نت" للحديث عن الشاب الثاني، وهو عامل بسيط كادح لا يملك من حطام الدنيا سوى دراجته النارية. هذه الدراجة كانت تمثل مشروع حياته الصغير ومصدر رزقه الوحيد، يخرج بها كل صباح ليتجول في شوارع المدينة، ويعود في آخر النهار بما يعين أسرته على توفير أبسط متطلبات الحياة اليومية. ورغم حاجته الماسة لدراجته التي تقيه وأسرته غائلة الجوع، بادر هذا الشاب ببيعها في السوق، ووضع ثمنها بين يدي نعمان ليشتري له سلاحاً يقاتل به. ينقل نعمان عن هذا العامل قوله الحازم بأنه "مستعد لأن يتحمل المسؤولية كاملة، وأن يقف ويدافع عن مدينته وقريته إلى جانب بقية الشباب". تعكس هذه الخطوة قمة الوعي المجتمعي؛ حيث يقرر المواطن البسيط التخلي عن أمنه الغذائي اليومي، ليساهم بنفسه في صناعة الأمن والكرامة لمدينته، مؤمناً بأن الرزق الحقيقي لا قيمة له إن لم يكن مسيجاً بالحرية. صيدلي يوقف مشروع زواجه تلبية لنداء المدينة أما الشاب الثالث، فقصته تمثل زاوية أخرى من زوايا التضحية والمبادرة الذاتية. يوضح نعمان لـ"الصحوة نت" أن هذا الشاب يعمل صيدلياً، وقد أمضى سنوات من العمل والجهد المضني لجمع مبلغ من المال استعداداً لإكمال نصف دينه والزواج. كان يخطط لبدء حياة أسرية مستقرة، ويحلم باليوم الذي يجمع فيه أهله وأصدقاءه للاحتفال، وبناء بيت يملؤه الهدوء. لكن، بمجرد أن نادته واجبات الدفاع عن مدينته، بادر بوقف مشروع زواجه بالكامل، ولم يتردد الشاب في توجيه كل مدخراته المالية التي جمعها بشق الأنفس نحو تكاليف شراء البندقية. يضيف نعمان: "لقد رأى هذا الشاب أن بناء أسرة في ظل التهديدات المستمرة التي تطال قريته ومدينته أمر محفوف بالمخاطر. لذلك، قرر تأجيل مشروعه الخاص ليكون شريكاً فاعلاً في مشروع الدفاع المشترك، مفضلاً أن يشتري سلاحاً يحمي به كرامة مجتمعه قبل أن يؤسس بيته الخاص". مجتمع يحرس نفسه بنفسه في ختام تصريحاته، يؤكد الناشط عبدالجبار نعمان أن ما شاهده لا يمثل مجرد حالات فردية عابرة، بل هو انعكاس لحالة وعي جمعي تتشكل بقوة داخل محافظة تعز. هؤلاء الشباب الثلاثة؛ الطالب الذي باع جهازه، والعامل الذي باع مصدر رزقه، والصيدلي الذي أوقف مشروع زواجه، يمثلون شريحة واسعة من مجتمع أدرك أن كلفة الاستسلام أعلى بكثير من كلفة المقاومة والمبادرة. تأتي هذه القصص لتدعم الحقيقة الراسخة بأن صمود تعز لا يرتهن فقط لأي دعم عسكري من أي جهة أياً كانت، بل يعتمد في جوهره على المبادرة الذاتية التي يتخذها الأفراد من تلقاء أنفسهم. عندما يستشعر المجتمع مسؤوليته التاريخية، ويقرر أبناؤه تمويل معركتهم من قوت يومهم وأحلام مستقبلهم، فإنهم يثبتون للعالم أنهم الحارس الأول والأخير لأرضهم، كما أن المدن التي يشتري أبناؤها أسلحة الدفاع عنها بأحلامهم الشخصية، هي مدن ولادة للحياة، عصية على الانكسار، وقادرة دوماً على حماية كرامتها مهما بلغت قسوة الظروف.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية