شكّل التعليم أحد أبرز مسارات التحول في تاريخ اليمن الحديث؛ فمن واقع محدود قبل ثورة 26 سبتمبر، يعتمد بدرجة كبيرة على الكتاتيب والجهود الأهلية، إلى توسع تدريجي بعد قيام الجمهورية، بدأ معه التعليم ينتقل إلى إطار أكثر تنظيما ومؤسسية.
في هذا الحوار، يستعيد الأستاذ زيد الشامي، أحد خريجي التعليم النظامي في تعز قبل الثورة، وواحد من العاملين لاحقا في التدريس والإدارة التربوية، ملامح تلك المرحلة، متحدثا عن أوضاع التعليم في القرى والمدن، ودور هِجَر العلم، ونظرة المجتمع إلى المدرسة، والفوارق بين الريف والحضر، إضافة إلى دور عدن كنافذة مبكرة للتعليم والانفتاح.
كما يتناول بدايات التحول بعد قيام الجمهورية، وما واجه التعليم من نقص في الكوادر واعتماد على المعلمين العرب، وصولا إلى إنشاء معاهد المعلمين وكليات التربية، وبداية تشكّل منظومة تعليمية أكثر اتساعا وتنظيما.
إلى نص الحوار..
بداية، كيف تصف واقع التعليم قبل قيام الجمهورية من خلال تجربتك الشخصية؟
كان واقع التعليم قبل الجمهورية شديد التخلف؛ فلم تكن في البلاد مدرسة ثانوية واحدة، فضلا عن الجامعات أو المعاهد التقنية والفنية. وكانت نسبة الملتحقين بالتعليم متدنية جدا، ولا تصل -بحسب تقديري- إلى 10% ممن هم في سن التعليم، بمن فيهم طلاب الكتاتيب القائمة على جهود ومبادرات شعبية.
وكانت الأمية مرتفعة جدا، حتى إن بعض المغتربين الذين يسافرون إلى الخارج كانوا يبعثون رسائل إلى أهلهم، فيضطر هؤلاء إلى الانتقال بها من قرية إلى أخرى بحثا عمن يستطيع قراءتها لهم.
كما كانت وزارة المعارف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأنظمة والهياكل والإدارات والمناهج الدراسية. وفي أواخر عهد الإمام أحمد، استعانت بعدد محدود من المدرسين المصريين والفلسطينيين. وإلى جانب ذلك، كان الجهل واسع الانتشار، ولم يكن التعليم في دائرة اهتمام غالبية السكان، ولم تكن كثير من الأسر تدرك أهميته أو تحرص على تعليم أبنائها.
هل يمكن القول إن التعليم قبل الثورة كان قائما على المبادرات الفردية والجهود الأهلية أكثر من كونه مشروع دولة؟
نعم، هذا ما كان سائدا إلى حد كبير. فالمدارس القائمة حينها كانت محدودة، وكان أغلبها من بقايا الوجود العثماني في اليمن، إلى جانب المدارس العلمية في صنعاء وبعض المدن، التي كان التعليم فيها يتركز على علوم الشريعة واللغة العربية.
عُرفت في اليمن مدن وهِجَر علمية تاريخية تخرج منها طلاب ومعلمون عادوا لاحقا إلى مناطقهم.. كيف تنظر إلى هذا النمط من التعليم قبل الثورة؟
كانت هناك مدن مشهورة بالعلم والتعليم مثل زبيد وجبلة وذمار وصنعاء وصعدة، وعُرفت بما يسمى هِجَر العلم. وقد تناول القاضي إسماعيل بن علي الأكوع هذه التجربة في كتابه "هِجَر العلم ومعاقله في اليمن" في خمسة مجلدات.
وكان الطالب المهاجر يدرس في المدارس أو المساجد وأربطة العلم في ظروف شديدة الصعوبة، وسط فقر مدقع ومن دون رعاية من الدولة، وغالبا ما يعتمد على ما يقدمه له الأهالي والمصلون.
ففي صنعاء مثلا، كانت بعض الأسر تتكفل بتوفير الطعام للطلاب؛ فيأتي الطالب إلى المنزل ويطرق الباب، فيُنزل إليه الخبز من النافذة داخل وعاء أو زنبيل مربوط بحبل، فيأخذه ويتزود به إلى اليوم التالي.
وكانت بعض الأسر التي تدرك أهمية التعليم ترسل أبناءها إلى عدن للدراسة، بينما كان كبار مسؤولي الدولة ومن عملوا في المهجر يبعثون أبناءهم إلى مصر وغيرها من الدول العربية والأجنبية.
وشكّل هؤلاء لاحقا طلائع البعثات الطلابية التي عادت بعد الثورة وأسهم كثير من أفرادها في نهضة اليمن، وتولى بعضهم مناصب عليا في الدولة. وكان لخريج الجامعة آنذاك مكانة اجتماعية كبيرة؛ حتى إن بعض دعوات الأعراس كانت تذكر صفة «الخريج» عند التعريف بالعريس.
وأُطلق على الأستاذ علي رجاء لقب "عميد الخريجين" باعتباره، بحسب ما أتذكر، من أوائل الحاصلين على مؤهل جامعي، وبعد نحو عشر سنوات من قيام الثورة تأسس نادي الخريجين، بوصف هذه الفئة نخبة متعلمة تحمل طموحات وبرامج للمستقبل.
كيف بدأت نهضة التعليم بعد الثورة في ظل عدم توفر العدد الكافي من المدرسين المؤهلين؟
ظلت اليمن بعد الثورة تعتمد بدرجة كبيرة على المدرس العربي، وخصوصا من مصر. وبدأ حضور البعثات التعليمية المصرية بالتزامن مع دخول الجيش المصري المساند للثورة، ثم تقلص عدد المدرسين المصريين بعد خروج القوات المصرية عقب هزيمة يونيو/حزيران 1967.
ولسد النقص، جرى تكليف خريجي الثانوية العامة بخدمة التدريس الإلزامي لمدة عام، وكنت ممن شملهم هذا النظام، فدرّست في المرحلتين الابتدائية والإعدادية.
وعندما تخرجنا من الثانوية العامة عام 1972، كان عدد طلاب الثانوية العامة في الشطر الشمالي، بحسب ما أتذكر، نحو 600 طالب وطالبة، وهو عدد لم يكن كافيا لتغطية احتياجات المدارس. ولذلك استمر الاعتماد على المدرسين العرب، واستُقدم معلمون من العراق وسوريا وفلسطين والسودان والسعودية، إلى جانب من تبقى من البعثة التعليمية المصرية.
وبعد ذلك أُنشئت معاهد المعلمين بأنظمة دراسية مختلفة، ثم افتتحت كلية التربية بجامعة صنعاء، وتوسعت كليات التربية لاحقا في المدن والجامعات الأخرى، حتى أصبح خريجوها يغطون جزءا كبيرا من احتياجات المدارس في مختلف المراحل.
ما الفرق الجوهري بين التعليم الذي قام على الكتاتيب والمبادرات المحلية، والتعليم الذي توسع بعد الثورة؟
لا مجال للمقارنة. فالكتاتيب كانت تقوم على جهود بعض الفقهاء في القرى والأحياء، وتركز على تعليم القرآن والقراءة والخط، وتعتمد على ما يقدمه الأهالي للمعلم.
وكان الطالب يدفع للمعلم يوم الخميس "بقشة" أو أكثر، وهي جزء من الريال، ويأتي بعض الطلاب معهم بقرص من خبز الذرة يأكلون منه ويعطون المعلم جزءا منه.
أما بعد الثورة، فتحول التعليم تدريجيا إلى حق عام، ومع صدور القانون العام للتعليم في بداية السبعينيات أصبح التعليم الابتدائي إلزاميا للأطفال في سن الدراسة، وأصبح التعليم متاحا بصورة أوسع في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع التأكيد على مجانية التعليم وتكافؤ الفرص بين الذكور والإناث.
ولهذا اندفع الناس إلى التعليم بصورة كبيرة، ولا يمكن مقارنة أعداد الطلاب في سنوات الثورة الأولى بما وصل إليه التعليم لاحقا.
وكان سلم التعليم الرسمي آنذاك يقوم على أربع سنوات ابتدائية وأربع متوسطة وأربع ثانوية. ومع بدء اتفاقيات الابتعاث، أُرسل طلاب للدراسة في الاتحاد السوفيتي وبعض الدول العربية، وواجه بعضهم صعوبات في استيعاب مواد مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، فخضعوا لفترات إعداد قبل الالتحاق بالتخصصات الجامعية.
إلى أي مدى حافظت هِجَر العلم، مثل زبيد وجبلة وصنعاء، على استمرار التعليم في ظل محدودية دور الدولة؟
أدت هِجَر العلم دورا مهما في استمرار قدر من التعليم، خصوصا في العلوم الشرعية واللغة العربية. وكان أهل الخير يوقفون جزءا من أموالهم لهذه المدارس والأربطة، ويُنفق من هذه الأوقاف على المشايخ والمعلمين والطلاب القادمين من مناطق بعيدة، وهو ما ساعدها على الاستمرار.
أما دعم الدولة فظل محدودا، سواء للمدارس العلمية المشهورة أو للمدارس النظامية التي ظهرت في بعض المدن. وعلى سبيل المثال، كانت مدينة تعز -مقر الإمام أحمد حميد الدين- تضم، بحسب ما أتذكر، ثلاث مدارس نظامية فقط: المدرسة الأحمدية وسط المدينة، ومدرسة الفلاح في المدينة القديمة، ومدرسة النجاح في الجحملية.
ما طبيعة التعليم الذي كان متوفرًا في القرى اليمنية آنذاك؟ وهل اقتصر على الكتاتيب والفقهاء؟
كان التعليم في القرى يركز على قراءة القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، ولم تكن هناك مناهج أو كتب معتمدة، وكان المعلمون يستعينون بما يسمى "القاعدة البغدادية" في تعليم القراءة والكتابة، وكان ذلك هو المشهور في مختلف أنحاء البلاد.
وفي المدارس التي نشأت في أواخر عهد الأئمة، كانوا يدرّسون "القراءة المصورة"، وهو مؤلف مصري، إلى جانب كتب علي الجارم ومصطفى أمين في النحو والبلاغة.
كيف كانت نظرة المجتمع الريفي إلى التعليم النظامي قبل الثورة؟
كانت نظرة المجتمع إلى التعليم سلبية، فلم يكن السكان يرون جدوى كبيرة منه، وكانوا يفضلون أن يعمل أولادهم في الزراعة والرعي. ومن لديه قطعة أرض، أو كان شريكا لمالك أرض، يفلحها ويزرعها ويعيش من محصولها، وهذه هي الحياة التي ألِفها وتعود عليها، ولم يكن لديه طموح لتطوير نفسه أو التعلم ليصبح عنصرا يمثل ثروة لنفسه وأسرته ووطنه.
هل شعرت أن أبناء القرى كانوا يتلقون تعليما مختلفا جذريا عن أبناء المدن، أو عمن أُتيحت لهم فرصة الدراسة خارج مناطقهم؟
الذين كانوا يتعلمون في الأرياف لا يغادرون قراهم، أما من لديه طموح فكان يذهب إلى هِجَر العلم والأربطة العلمية ليدرس ويتوسع في العلوم الشرعية واللغة العربية.
وعندما فُتحت المدارس الحديثة، سواء في مدن الشمال أو الجنوب، تمكن بعض متوسطي الحال من إرسال أولادهم لتلقي التعليم في هذه المعاهد والمدارس، في حين كانت قلة ممن لديهم قدرة مالية يبعثون أبناءهم للدراسة خارج اليمن، في مصر والسودان وبلاد الشام.
ذكرت أن بعض الأسر كانت ترسل أبناءها إلى عدن، لماذا عدن تحديدا؟
كانت عدن، تحت الاحتلال البريطاني، تشهد نهضة عمرانية وتعليمية وتجارية، وفيها صحف ونقابات وأنشطة سياسية واجتماعية، وكان ذلك دافعا للناس لإرسال أولادهم إلى عدن، إما للعمل أو التجارة أو الدراسة، أو للانتقال منها عبر الميناء إلى بلدان أخرى في العالم.
ما حقيقة أن سلطات الاستعمار البريطاني آنذاك كانت تفرض شروطا على تعليم غير المولودين في عدن؟
أنشأ الإنجليز مدارس في عدن، لكنهم جعلوا التعليم فيها محصورا بمن لديه شهادة ميلاد من عدن، فهؤلاء فقط كان لهم الحق في الالتحاق بالمدارس الممولة من الحكومة.
أما من لم يولد في عدن، فكان عليه البحث عن مدرسة خاصة أو أهلية، ولذلك نشأت مدارس خاصة استوعبت غير المولودين في عدن، مثل كلية بلقيس ومدرسة بازرعة، وأخيرا المعهد العلمي الذي أنشأه الشيخ البيحاني، وكان يستوعب الطلاب من أي مكان.
كيف كان شعور الفقراء وهم يرون التعليم بعيدا عن متناولهم في تلك المرحلة؟
أعتقد أن التعليم لم يكن أولوية عند هؤلاء الفقراء، أو عند غالبية السكان بشكل عام، وكان الفقر هو السائد. ومع ذلك، فإن من أراد أن يتعلم كان بإمكانه أن يسلك دروب العلم والمعرفة، لكنه كان بحاجة إلى العزيمة والكفاح.
ومن الذين تغلبوا على هذه الصعوبات أولئك الذين ذهبوا إلى صنعاء والتحقوا بمدرسة الأيتام، وكثير منهم أصبحوا لاحقا من قادة الثورة وأعلام المجتمع، وتولى عدد منهم مناصب عليا في الدولة بعد الثورة.
بعد ثورة 26 سبتمبر، ما أول تغيير ملموس شعرت به في ملف التعليم؟
يمكنني القول إن التعليم كان من أبرز إنجازات الثورة؛ فقد فتحت أبواب التعليم على مصاريعها، وأقبل اليمنيون من كل حدب وصوب على تعليم أولادهم.
وفُتحت المدارس في المدن الرئيسية، وأنشئت أقسام داخلية لاستيعاب الطلاب القادمين من الأرياف، ثم تدرج التوسع في التعليم وانتقل إلى الأرياف ووصل إلى القرى النائية، وشمل الذكور والإناث، كما فُتحت فصول لمحو أمية الكبار من الجنسين.
كيف فتحت تعز والمحافظات الأخرى أبواب التعليم أمام أبناء الفقراء بعد الثورة؟
أُنشئت المدارس في المدن بعد الثورة، واستوعبت كل من يأتي إليها طلبا للتعليم. وعندما كنت مديرا عاما للتعليم في وزارة التربية خلال ثمانينيات القرن العشرين، كنا لا نرد مواطنين يطالبون باعتماد مدرسة ابتدائية لتعليم أبنائهم، وكنا نعتمد فصول الإعدادية والثانوية إذا توفر النصاب المحدد من الطلاب، وإذا كان العدد قليلا كانت لديهم فرصة الدراسة في أقرب مدرسة.
أما المباني المدرسية، فقد أُنشئت على نطاق واسع، سواء على نفقة الدولة أو بمساعدات من الأشقاء أو بقروض ميسرة، وكان ما يُبنى على نفقة الدولة هو الأكثر، وفي حالات محدودة كان البناء يتم على نفقة الأهالي.
وكان يتم إنشاء أكثر من ألف مدرسة في العام، بمعدل ثلاث مدارس في اليوم، ولذلك حدثت قفزة كبيرة في مجال التعليم من حيث الكم، سواء في الريف أو الحضر، وعلى مستوى الذكور والإناث.
وربما تأخر تعليم الإناث قليلا بسبب تدني وعي المجتمع بأهمية تعليم البنات، إذ كانت بعض الأسر لا تسمح لبناتها بمواصلة التعليم إلا في مدارس خاصة بهن، وكلما فُتحت مدارس خاصة بالبنات، أقبلت الفتيات وشجع الآباء بناتهم على التعليم.
درستَ في مدارس محدودة العدد آنذاك، كيف كانت الإمكانات المتوفرة داخل تلك المدارس؟
كانت المدرسة عبارة عن طالب ومعلم وفصل دراسي، حتى وإن كان تحت شجرة. أما الوسائل التعليمية، كالمعامل وغيرها، فلم تأتِ إلا في مرحلة متأخرة بعد الثورة.
وما يزال الباحثون والمتخصصون في التربية يكتشفون طرقا أكثر فاعلية لنقل المعرفة وترسيخ المعلومة وتحويلها إلى قيم وسلوك عملي في الحياة.
هل تعاملت دولة الجمهورية مع التعليم كأولوية وطنية؟
واجهت حكومات الثورة تحديات كان أهمها تثبيت الجمهورية، وأخذ ذلك أولوية كبيرة، وكان يقتضي بناء جيش قادر على حماية الثورة ومكتسباتها. ومع ذلك، كان التعليم من الأولويات التي اهتمت بها الدولة، ثم الصحة وغيرها من الخدمات العامة.
إلى أي مدى أسهم التعليم بعد الثورة في كسر الفوارق الطبقية داخل المجتمع؟
أخرج التعليم أعدادا هائلة من الطلاب من مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية، وتولى هؤلاء، بكفاءتهم، الكثير من المراكز والمواقع، سواء المدنية أو العسكرية أو القضائية.
واستطاعوا أن يأخذوا وضعهم المستحق وفق مبدأ تكافؤ الفرص إلى حد كبير، مع أن موروث المجاملات والوساطات ظل وما يزال حاضرا في الواقع اليمني، لكن الواضح أن الفرص أصبحت متاحة للجميع، ولا مقارنة بين ما كان عليه الحال قبل الثورة وما أصبح عليه بعدها.
ما الدور الذي لعبه المعلمون في تلك المرحلة في بناء الوعي الوطني؟
المعلم هو أساس التعليم، وبه يمكن تجاوز ضعف المنهج وضعف الطالب. والمعلمون هم الرواد في غرس معاني الانتماء وتعميق الوعي الوطني، وفي طليعتهم أولئك الذين عادوا من الخارج بعد الثورة مباشرة، وبعضهم قطع دراسته وعاد ليسهم في النهضة التعليمية وبناء الأجيال الجديدة.
هل كان التعليم بعد الثورة مجرد تلقين أم مشروع وعي وتغيير؟
حتى نكون منصفين وواقعيين، فإن التعليم بدأ بالتلقين وركز على نقل المعرفة، لكنه لم يقف عند ذلك، بل أسهم بشكل كبير في التوعية وغرس قيم العمل والتطوير نحو الأفضل، وتشجيع الطالب على أن يصبح مستقلا ولديه قدرة على التفكير.
ومع ذلك، ما يزال التلقين هو الأسلوب التقليدي الغالب في عالمنا العربي في مختلف المراحل الدراسية، حتى المستوى الجامعي.
أما من حيث التغيير، فقد أحدث التعليم تحولا واضحا في حياة اليمنيين ومستواهم الاقتصادي والاجتماعي، وأصبح لدينا أطباء ومهندسون وطيارون وأساتذة جامعات ومحاسبون وأرباب صناعة وتجارة، وفي مختلف التخصصات ومن كل فئات الشعب ومناطق الجمهورية.
كيف انعكست التعددية الفكرية، القومية واليسارية والإسلامية، على المناهج والطلاب؟
كان الصراع قائما بين هذه التيارات في وضع المناهج وصياغة أهداف التعليم وتوجيه المعلمين، وكان كل تيار يحاول أن يأخذ التعليم في الاتجاه الذي يريده.
لكن كانت هناك قواسم مشتركة اتفق عليها الجميع، تركز على غرس العقيدة الإسلامية، وتعميق الولاء الوطني، وتأكيد الانتماء للأمتين العربية والإسلامية، ومد جسور التعاون مع جميع البشر.
وهذه التوجهات هي التي سادت، ووضعت المناهج على أيدي أساتذة يمنيين ومتخصصين عرب ممن قدموا إلى اليمن، سواء كانوا أساتذة في الجامعات أو خبراء وموجهين من أصحاب الخبرة.
أما التعددية السياسية فلم تأتِ من خلال المدرسة، وإنما من خلال العمل السياسي الآخر، المصاحب والموازي، سواء في التعليم أو خارجه.
متى شعرت أن التعليم لم يعد مجرد دراسة، بل أصبح مدخلا للوعي السياسي والاجتماعي؟
يبدأ التعليم أولا بالحرص على تعلم الأساسيات، لكن مع تقدم الطالب في تعليمه ينمو وعيه، ويتعرف على الاتجاهات السياسية والفكرية، ويدرس أحوال الناس في العالم.
والطلاب الذين يسافرون إلى دول أخرى يتأثرون بالاتجاهات الفكرية الموجودة في تلك البلدان، وعندما يعودون حاملين تلك الأفكار يحدث الصراع بينهم، لكن في نهاية المطاف تحتويهم اليمن جميعا.
وظل الصراع يدور حول من يقدم خدمة أكثر، ومن يستطيع الارتقاء بالبلد. وقد تمايزت التوجهات، لكن الجميع اتفقوا على القواسم المشتركة التي يجسدها الدستور ويحكم بها الجميع.
هل كان التعليم عامل توحيد وطني أم ساحة صراع فكري؟
التعليم لم يكن ساحة صراع، بل كان مسارا جامعا لكل أبناء الشعب، وقد وحدت المناهج الذهنية اليمنية بعيدا عن الخلاف المذهبي والمناطقي والعنصري.
أما الصراع فكان يأتي من خلال العمل السياسي الذي يؤثر في المعلم والطالب وينعكس على المدارس والجامعات والحياة العامة. فلم يأتِ الصراع من التعليم نفسه، وإنما من الأفكار التي جاءت من الخارج وتبناها هذا الطرف أو ذاك، وكانت تتحول أحيانا إلى صدام يصل إلى الاشتباك بالأيدي.
كيف أسهم التعليم لاحقا في تشكيل موقفك من الدولة والسلطة والانتماء الوطني؟
المساق التعليمي يؤكد أهمية الدولة؛ فلا يمكن أن تُدار البلاد بالفوضى، أو بجماعات أو أحزاب تحقق مصالحها الخاصة.
والأصل أن تتنافس الأحزاب في بناء الدولة والمحافظة عليها، وأن تُبنى الدولة على العدالة والمساواة بين جميع أبناء الشعب؛ فهي الضامنة لحقوق المواطنين، وتفرض عليهم بالتساوي الواجبات التي لا بد أن يؤدوها تجاه أنفسهم ومجتمعهم وسلطتهم.
عندما نقارن بين التعليم اليوم وما كنا نراه في مدارسنا سابقا في السبعينيات والثمانينيات، يلحظ كثيرون فروقا كبيرة في جودة التربية والانضباط والإدارة ومستوى العطاء وهيبة المدرسة نفسها.. برأيك، ما الأسباب التي أدت إلى وصول التعليم إلى هذا الوضع؟
كان التعليم سابقا هو الهم الذي يشغل الطالب ويهم الأسرة كلها، ثم كثرت مشتتات الانتباه ووسائل الإعلام، ثم جاءت الهواتف وأخيرا الإنترنت، وما سببه ذلك من تشتيت لأفكار الناس وتوجهاتهم.
وصاحب ذلك انتقال ثقافات وعادات سيئة عبر وسائل التواصل، تركت أثرا بالغا على الطالب والأسرة، إلى جانب مقارنة الناس أنفسهم بالآخرين وأساليب حياتهم، والتبرم من الواقع وعدم الرضا به، والتقصير في التوجه نحو البناء.
وأصبح الجميع يبحثون عن حقوقهم ولا يفكرون في واجباتهم، فضعف الاهتمام والتركيز على التعلم والتحصيل، وتراجعت النظرة إلى المعلم، ولم تعد المدرسة البيئة التي يجد فيها الطالب نفسه ويحقق ذاته.
وأدى ذلك كله إلى تدني مستوى التعليم وضعف تقدير أهمية المعلم والمؤسسة التعليمية.