الجمهورية والإمامة.. جذور  مبكرة لموقف الإصلاح..  وللصحوة كلمة
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

 

 

ما موقع الجمهورية في الخطاب الفكري والسياسي الذي سبق تأسيس التجمع اليمني للإصلاح ورافق سنواته الأولى؟ وهل تكشف الكتابات المنشورة آنذاك عن موقف ثابت من الإمامة والتمييز السلالي، أم عن استجابة فرضتها التحولات السياسية اللاحقة؟

يقدم كتاب «وللصحوة كلمة» جانبًا من الإجابة، من خلال افتتاحيات صحيفة «الصحوة» التي كتبها الأستاذ محمد عبدالله اليدومي، رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح، حين كان مؤسس الصحيفة ورئيس تحريرها.

صدر الكتاب عن مؤسسة الصحوة للصحافة عام 2024، ويضم مختارات من افتتاحيات الصحيفة المنشورة بين عامي 1985 و1993. وتكشف هذه النصوص حضور قضايا الجمهورية والإمامة والحرية والشورى والمساواة في خطاب الصحيفة منذ سنواتها الأولى، وتحذيرها من عودة الفكر الإمامي، ودفاعها عن ثورة 26 سبتمبر بوصفها تحولًا تاريخيًا أعاد لليمنيين حقهم في اختيار حكامهم وتحديد شكل نظامهم السياسي.

والافتتاحيات المنشورة قبل عام 1990 ليست وثائق حزبية؛ فقد سبقت تأسيس التجمع اليمني للإصلاح. لكنها تعبر عن الخط الفكري والسياسي الذي مثلته «الصحوة»، وتكشف جانبًا من الجذور المبكرة للموقف الجمهوري الذي ظهر لاحقًا في خطاب الإصلاح ووثائقه ومواقفه السياسية.

ومع قيام الوحدة وتأسيس الإصلاح، اتسعت القضايا التي تناولتها الصحيفة، وانتقل خطابها من مواجهة الفكر الإمامي واستحضار تجربة نظامه إلى مناقشة الدولة والوحدة والدستور والتعددية والحوار والانتخابات.

الجمهورية في مواجهة الفكر الإمامي

تشير مقدمة «وللصحوة كلمة» إلى أن افتتاحيات الصحيفة بادرت إلى التحذير من الفكر الإمامي والتنبيه إلى خطره على النظام الجمهوري، ورفضت اختزال الإمامة في شخص الحاكم أو مظهره، باعتبارها منظومة من الأفكار المتصلة بالسيادة والتمييز والادعاء بحق حصري في الحكم.

وتنطلق المقدمة من رفض التفاضل القائم على النسب أو السلالة، والتأكيد على وحدة الأصل الإنساني، وأن التقوى والعمل الصالح هما معيار التفاضل، وأن أمر المسلمين يقوم على الشورى.

وتصف مقدمة الكتاب حملات «الصحوة» الصحفية ضد عودة الفكر الإمامي بأنها كانت «أجراس النذير والتحذير والإيقاظ والتنبيه» من خطر يهدد النظام الجمهوري وثورة 26 سبتمبر.

ويظهر هذا الخطاب في افتتاحية «26 سبتمبر: رفض للعنصرية والجهالة» (ص 49)، التي تقدم الثورة بوصفها خروجًا من الخرافة والجهل والمهانة والخضوع، واستعادة لحرية الإنسان وحقه في التعبير عن إرادته.

وفي هذا التصور، تمثل الجمهورية نقيضًا للاستبداد والتمييز، ونظامًا يعيد تنظيم العلاقة بين الحاكم والمواطن على أساس الحقوق والمسؤولية العامة.

ذاكرة الإمامة والتحذير من عودتها

تقدم افتتاحية «لكيلا ننسى جرائم نظام الإمامة»، المنشورة في 24 سبتمبر 1987 (ص 110–112)، نموذجًا أكثر وضوحًا لهذا الاتجاه.

تستعيد الافتتاحية طبيعة النظام الذي قامت ضده الثورة، وتصفه بأنه نظام استخدم الجهل والدجل لترسيخ الوصاية على الناس وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية، في مقابل ادعاء الحاكمين امتلاك حق إلهي في حكم الشعب.

وتتناول الصراعات التي شهدها تاريخ الأئمة وما رافقها من حروب وإراقة للدماء، وتوضح أن استحضار تلك الوقائع يهدف إلى أخذ العبرة وتنبيه اليمنيين إلى مخاطر عودة الأفكار والممارسات التي قامت الثورة ضدها.

وتقدم الافتتاحية صياغة واضحة لعلاقة الشعب بالحاكم بعد الثورة، مؤكدة أن الحكام «موظفون لديه لا سادة عليه». وتربط هذه العلاقة بالعدالة والحرية والكرامة وبناء الدولة.

وهكذا استُخدمت ذاكرة الإمامة في خطاب «الصحوة» لتفسير أهمية الثورة والتحذير من إعادة إنتاج الاستبداد والتمييز تحت أسماء أو صور جديدة.

مواجهة التمييز والطائفية

عادت القضية بصورة مباشرة في افتتاحية «لماذا غضب العنصريون من الصحوة؟»، المنشورة في 10 أكتوبر 1991 (ص 200–203)، ردًا على الجدل الذي أثاره تناول الصحيفة للفكر الإمامي.

ترفض الافتتاحية التفاضل على أساس الأصل والنسب، وتؤكد وحدة اليمنيين في العقيدة والوطن والدم، وتنتقد ما تسميه «الطائفية السياسية»، محذرة من إعادة إنتاج الانقسام على أسس مذهبية أو سلالية.

وتشير إلى أن «الصحوة» لم تتوقع، بعد مرور 29 عامًا على قيام الثورة والجمهورية، استمرار حضور الفكر الإمامي أو ظهور من يدافع عنه. وتختصر موقفها بعبارة مباشرة: «الثورة والجمهورية خيارنا».

وترتبط الجمهورية في هذه الافتتاحية برفض التمييز وحق اليمنيين في المشاركة في الحكم. كما تقر بوجود أخطاء وانحرافات في التجربة الجمهورية، وتفصل بين الدفاع عن مبدأ الجمهورية وتأييد كل ما تمارسه السلطة التي تحمل اسمها.

وتكشف هذه النقطة عن موقف يتجاوز الدفاع عن النظام القائم آنذاك إلى الدفاع عن جوهر الجمهورية في مواجهة حكم يقوم على التمييز والاستئثار والوصاية على المجتمع.

الشورى والحرية في تصور الدولة

تمتد دلالة الجمهورية في صفحات الكتاب إلى تصور لطبيعة الدولة وعلاقة الحاكم بالمجتمع.

ففي افتتاحية «إنسانية الثورة السبتمبرية» (ص 163)، تربط الصحيفة بين الثورة ونشر التعليم وإتاحته للرجال والنساء، وترى فيه طريقًا لمواجهة الجهل والاستبداد وإنهاء توريث السيادة لفئة وإخضاع بقية المجتمع لها.

وتحضر الشورى في عدد من عناوين الكتاب، من بينها «الشورى ممارسات صادقة»، و«امتحان الشورى»، و«الشورى مقتل الاستبداد والعبودية»، و«الشورى صمام أمان».

وتندرج هذه العناوين ضمن تصور يربط الحكم بالمشاركة والمساءلة ومواجهة الاستبداد. ويظهر المعنى نفسه في افتتاحية «سبتمبر ثورة إنسانية»، المنشورة في 26 سبتمبر 1989، التي ترى أن الشعب بدفاعه عن الثورة والجمهورية يدافع عن حريته وكرامته وحاضره ومستقبله.

وبذلك اقترنت الجمهورية في خطاب «الصحوة» بالحرية والكرامة والشورى، ضمن رؤية أوسع للدولة والمجتمع والعلاقة بين السلطة والمواطن.

من الجمهورية إلى الدولة الدستورية

مع قيام الوحدة اليمنية وتأسيس التجمع اليمني للإصلاح، دخلت قضايا جديدة إلى خطاب الصحيفة، في مقدمتها الدستور والتعددية والحوار وقانون الأحزاب والانتخابات.

ويضم الكتاب عناوين من قبيل «الوحدة فريضة شرعية وضرورة وطنية»، و«إنقاذ الوحدة من تجارها»، و«معايير مزدوجة تجاه دستور الوحدة»، و«أهمية الحوار حول قانون الأحزاب»، و«خطورة التلاعب بالدستور»، و«العنف عدو الحرية والاستقرار».

وعكست هذه الموضوعات انتقالًا من الدفاع عن الجمهورية في مواجهة الإمامة إلى مناقشة مضمون الدولة الجمهورية وآليات إدارتها السياسية والدستورية.

وفي هذه المرحلة أصبح الربط بين خطاب «الصحوة» وموقف الإصلاح أكثر مباشرة؛ فقد تأسس الحزب عام 1990 ودخل العمل السياسي العلني في إطار الدولة الجمهورية والتعددية الحزبية.

وتكشف صفحات الكتاب عن مسارين متصلين: الدفاع عن الجمهورية ورفض الفكر الإمامي، ثم الانتقال إلى مناقشة الدستور والتعددية والشراكة والحوار والانتخابات باعتبارها أدوات لتنظيم الحياة السياسية داخل الدولة الجمهورية.

بعد 2014.. عودة السؤال الجمهوري

يقتصر الإطار الزمني للكتاب على الافتتاحيات المنشورة حتى عام 1993، غير أن سيطرة جماعة الحوثي على مؤسسات الدولة عام 2014 أعادت إلى المشهد اليمني الأسئلة التي تناولتها تلك النصوص قبل عقود.

ورأى الإصلاح في مشروع الجماعة امتدادًا لفكرة الحكم القائم على السلالة والاصطفاء، وعاد قادته إلى تأكيد تمسك الحزب بالجمهورية وربط استعادة الدولة بمبادئ ثورة 26 سبتمبر والتعددية السياسية وإرادة الشعب ودولة المؤسسات.

ومنحت التطورات التي أعقبت عام 2014 الافتتاحيات القديمة دلالة معاصرة، وأعادت طرح أسئلتها حول الإمامة والجمهورية، والمساواة والاستبداد، وحق اليمنيين في اختيار من يحكمهم.

ولا يعني هذا التطابق الكامل بين سياق كتابة الافتتاحيات والواقع الراهن؛ فلكل مرحلة ظروفها وقواها السياسية. لكنه يكشف استمرار الصراع حول أساس الشرعية السياسية: هل تستمد السلطة حقها من إرادة المواطنين ومؤسسات الدولة، أم من ادعاء الاصطفاء والامتياز السلالي؟

الذكرى الـ36.. السؤال مستمر

تأتي الذكرى السادسة والثلاثون لتأسيس التجمع اليمني للإصلاح في وقت تتصدر فيه استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي أولويات الحزب والقوى المناهضة للجماعة.

وتقدم صفحات «وللصحوة كلمة» مادة تاريخية تساعد على فهم الجذور المبكرة للموقف الجمهوري في خطاب «الصحوة» والتيار السياسي والفكري الذي سبق تأسيس الإصلاح، ثم رافق دخوله الحياة الحزبية بعد عام 1990.

فقد حضرت الجمهورية في مواجهة الفكر الإمامي، واقترنت برفض التمييز والاستبداد، ثم اتسع الخطاب ليشمل الشورى والدستور والوحدة والتعددية والحوار والانتخابات.

ويوثق الكتاب نصوصًا تمتد عبر مراحل مختلفة، تكشف استمرار سؤال الجمهورية والإمامة في خلفية خطاب الصحيفة، بالتوازي مع انتقال اهتمامها إلى قضايا بناء الدولة وتنظيم الحياة السياسية.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على آخر الافتتاحيات التي يضمها الكتاب، عاد السؤال إلى قلب المشهد اليمني: أي دولة يريد اليمنيون، وعلى أي أساس تقوم العلاقة بين الحاكم والمواطن؟ وتبقى الإجابة التي تقدمها تلك النصوص واضحة في جوهرها: جمهورية تقوم على المساواة والشورى وإرادة الشعب، ودولة تحكمها المؤسسات والقانون.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية