كيف يحاول الحوثيون تخفيف الضغط على طهران؟
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

 

لم يكن التصعيد الحالي لمليشيا الحوثي، سواء من خلال استهداف معسكرات القوات الحكومية في مأرب وحضرموت أو عبر تكثيف هجماتها على مواقع الجيش وخطوط التماس في مختلف الجبهات، بالتزامن مع تصعيدها في البحر الأحمر، تطوراً عسكرياً منفصلاً يمكن تفسيره فقط باعتبارات الصراع اليمني الداخلي، وإنما جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية واقتصادية وسياسية متزايدة في مواجهتها مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل هذا التصعيد جزءاً من حسابات إيران وحاجتها إلى فتح جبهات إضافية ترفع كلفة الضغط عليها وتمنحها أوراقاً جديدة في مواجهة خصومها.

 

واللافت في هذا التصعيد ليس الهجمات وحدها، وإنما توقيتها والظروف التي جاءت فيها، إذ لم تكن الجبهة اليمنية تشهد تطوراً عسكرياً من جانب القوات الحكومية يبرر الانتقال المفاجئ إلى هذا المستوى من المواجهة، حيث ظلت الحكومة تتعامل مع الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة منذ عام 2022 باعتبارها إطاراً لتجنب العودة إلى الحرب، رغم الخروقات الحوثية المتكررة.

 

كما كانت تتعاطى مع جهود المبعوث الأممي وملفات الأسرى والمختطفين باعتبارها مسارات يمكن أن تقود إلى خفض التصعيد وتحريك العملية السياسية بدل إعادة البلاد إلى مربع الحرب.

 

ومن هنا فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بسبب استهداف مأرب وحضرموت أو أسباب تكثيف الهجمات على خطوط التماس، وإنما يتعلق باللحظة التي اختار فيها الحوثيون القيام بذلك، خصوصاً أن التصعيد تزامن مع عودة الضغط العسكري والسياسي على إيران، ومع تطورات مرتبطة بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، بما يفتح الباب أمام قراءة سياسية ترى أن اليمن يجري إدخاله مرة أخرى في صراع إقليمي أكبر من حدوده ومصالحه المباشرة.

 

التوقيت يخدم الحسابات الإيرانية

 

تحتاج إيران، في ظل الضغوط التي تواجهها، إلى الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة التي تستطيع من خلالها رفع كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، ولذلك فإن وجود حلفاء مسلحين قادرين على فتح جبهات بعيدة عن الأراضي الإيرانية يمثل بالنسبة إلى طهران ميزة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها، خصوصاً عندما تكون المواجهة مرتبطة بملفات حساسة تتجاوز البرنامج النووي إلى أمن الخليج والملاحة والطاقة والنفوذ الإقليمي.

 

وفي هذه المعادلة يحتل الحوثيون موقعاً بالغ الأهمية، لأن الجماعة لا تملك فقط القدرة على استهداف القوات الحكومية داخل اليمن، وإنما تستطيع أيضاً التأثير في أمن البحر الأحمر وتهديد السفن والمصالح المرتبطة بالدول التي تقف في مواجهة إيران، وهو ما يجعل الجبهة اليمنية ورقة ضغط يمكن لطهران الاستفادة منها دون أن تضطر إلى الدخول في مواجهة مباشرة في كل مرة.

 

ومن هنا فإن حسابات الحوثيين من التصعيد تتطابق بصورة واضحة مع الحاجة الإيرانية إلى إبقاء المنطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد، خصوصاً عندما تكون طهران بحاجة إلى إرباك خصومها وإجبارهم على التعامل مع أكثر من جبهة في الوقت نفسه.

 

وهذا ما يجعل توقيت التصعيد الحوثي ذا أهمية سياسية كبيرة، لأن الجماعة لم تفتح جبهة جديدة في لحظة هدوء إقليمي، وإنما تحركت في وقت تحتاج فيه إيران إلى توسيع دائرة الضغط عليها، بحيث يصبح أي قرار أمريكي تجاهها محكوماً باحتمالات اتساع المواجهة إلى العراق واليمن والبحر الأحمر وغيرها من الساحات التي تمتلك فيها طهران نفوذاً أو حلفاء قادرين على تنفيذ عمليات عسكرية.

 

البحر الأحمر ورقة إيرانية

 

لا يمكن فصل التصعيد الحوثي داخل اليمن عن التصعيد في البحر الأحمر، لأن الممر البحري يمثل أحد أهم عناصر القوة في هذه المعادلة، خصوصاً أن تهديده لا يتوقف عند حدود اليمن، وإنما يمتد إلى حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة والمصالح السعودية والدولية المرتبطة بالممرات البحرية.

 

وتزداد قيمة هذه الورقة في ظل تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، لأن اضطراب الملاحة في أحد أهم الممرات التي تمر عبرها صادرات الطاقة الخليجية يجعل البحر الأحمر أكثر أهمية باعتباره أحد المسارات البديلة، وهو ما يمنح إيران مصلحة إضافية في إبقاء الحوثيين قادرين على تهديد هذا الممر متى احتاجت إلى ذلك.

 

ومن هذه الزاوية، فإن التصعيد في البحر الأحمر جزء من معادلة ضغط أوسع، فالضغط على الملاحة يرفع الكلفة الاقتصادية والأمنية على خصوم إيران، بينما يؤدي التصعيد داخل اليمن إلى استنزاف القوات الحكومية ومنع أي ترتيبات عسكرية وسياسية يمكن أن تغير موازين القوى على الأرض.

 

وتدخل السعودية في قلب هذه الحسابات باعتبارها طرفاً رئيسياً في الملف اليمني، وباعتبار أمن البحر الأحمر جزءاً من أمنها ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ولذلك فإن إبقاء هذا الممر تحت التهديد يضيف إلى الضغوط التي تواجهها الرياض، خصوصاً في حال تعرضت طرق تصدير الطاقة عبر الخليج لمزيد من الاضطراب.

 

وبذلك يصبح المشهد أكثر وضوحاً؛ فإيران تستطيع، من خلال حلفائها، أن تضغط على أكثر من مسار في الوقت نفسه، بينما يضطر خصومها إلى توزيع مواردهم وقدراتهم بين حماية الملاحة، ومواجهة الهجمات، وتأمين حلفائهم، والاستعداد لاحتمالات توسع المواجهة إلى ساحات أخرى.

 

اليمن يدفع ثمن التصعيد

على الجانب اليمني، تبدو المفارقة أكثر قسوة، لأن التصعيد الحالي يأتي في وقت كان يمكن فيه البناء على الهدوء النسبي وتحويله إلى فرصة سياسية، خصوصاً أن اليمنيين أنهكتهم الحرب التي اندلعت منذ انقلاب الحوثيين، ولم يعد المجتمع قادراً على تحمل جولة جديدة تعيد إنتاج الخسائر نفسها وتضاعف الانهيار الاقتصادي والإنساني.

 

وكانت الحكومة اليمنية تتعامل مع المسار الأممي وخفض التصعيد وملف الأسرى والمختطفين باعتبارها وسائل لتجنب الحرب، وتحاول إبقاء الباب مفتوحاً أمام المسار السياسي، رغم إدراكها أن الجماعة استغلت الهدوء خلال السنوات الماضية لإعادة بناء قدراتها وتعزيز مواقعها.

 

لكن الحوثيين اختاروا قراءة هذا السلوك باعتباره ضعفاً يمكن استغلاله، وبدل أن ينظروا إلى التهدئة باعتبارها فرصة لخفض معاناة اليمنيين، تعاملوا معها باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم والاستعداد لجولة جديدة من التصعيد، وهو ما يكشف مرة أخرى أن قرار الحرب والسلام لدى الجماعة محكوم بحسابات إيران.

 

وتزداد خطورة هذا الأمر مع ارتباط التصعيد الحالي بالتطورات المتعلقة بالطائرات الإيرانية، وما رافقها من توتر حول مطاري صنعاء والحديدة، ثم انتقال المشهد إلى هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على معسكرات القوات الحكومية في مأرب وحضرموت، وما أعقب ذلك من اتساع للهجمات على مختلف الجبهات.

ومما يثير الأسى أن إيران تستطيع أن تفاوض على مصالحها من خارج اليمن، بينما يدفع اليمنيون ثمن هذه المواجهة داخل مدنهم وقراهم وجبهاتهم، فكل صاروخ يطلق على معسكر حكومي يعني مزيداً من القتلى والجرحى، وكل تصعيد في البحر الأحمر يعني مزيداً من المخاطر على الاقتصاد والملاحة، وكل عودة إلى الحرب تعني إغلاق نافذة جديدة أمام التسوية السياسية التي يحتاجها اليمنيون أكثر من أي طرف آخر.

 

وفي المحصلة، فإن توقيت التصعيد واتساعه وتزامنه مع الضغوط التي تواجهها إيران يجعل من الصعب فصله عن الحسابات الإيرانية، خصوصاً أن النتيجة النهائية تصب في اتجاه واحد: تخفيف الضغط عن طهران، ورفع كلفة المواجهة عليها، وإجبار خصومها على التعامل مع جبهات متعددة بدل تركيز الضغط عليها وحدها.

 

وهنا تكمن القضية الأخطر بالنسبة إلى اليمن: إيران تفاوض على مصالحها، والحوثيون يرفعون كلفة التفاوض من اليمن، بينما يدفع اليمنيون وحدهم ثمن هذه المعادلة اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً.

 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية