Arab
في الصراعات الحديثة لم تعد الحروب تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بقدرة الأطراف على فرض معادلات استراتيجية جديدة وصياغة صورة سياسية وإعلامية تفسّر نتائج الحرب على المدى غير القريب. ومن هذا المنظور يمكن فهم المرحلة التي أعقبت وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تتبلور تدريجياً ملامح ما يمكن تسميتها حرب المعادلات.
وخلال الأيام الثلاثة التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، ظهرت خلافات واضحة حول بنود الاتفاق الأولي للهدنة وآلية المفاوضات المقبلة. المفاوضات التي يفترض أن تبدأ في إسلام أباد اليوم السبت، لا يُعوَّل كثيراً على أن تفضي إلى اتفاق شامل. وبرزت فجوة مبكرة عندما تحدثت الوساطة الباكستانية عن شمول لبنان في وقف إطلاق النار، بينما رفض البيت الأبيض ذلك بعد الهجوم الإسرائيلي العنيف على لبنان، وهو هجوم يصعب تفسيره باعتباره خطوة إسرائيلية منفردة لإفشال الهدنة، بل يبدو أقرب إلى محاولة منسّقة مع واشنطن لإعادة ضبط قواعد الاشتباك والصورة.
هذا التصعيد يرتبط مباشرة بمعركة المعادلات. فإسرائيل تدرك أن وقف الحرب في جميع الجبهات في وقت واحد يعني عملياً الاعتراف بمعادلة "وحدة الساحات" التي تسعى إيران وحلفاؤها إلى ترسيخها. مثل هذا الاعتراف، حتى لو جاء في إطار هدنة مؤقتة، سيقوّض الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على فصل الجبهات ومنحها حرية الحركة في كل ساحة على حدة. لذلك تسعى تل أبيب إلى قتل هذه المعادلة قبل أن تتحوّل إلى قاعدة إقليمية راسخة.
إلى جانب ذلك، هناك معركة الصورة أيضاً. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يواجه داخلياً تداعيات حرب لم تحقق أهدافها، كما أن دخول حزب الله إلى المواجهة بالصواريخ والطائرات المسيّرة أضعف الرواية التي حاول نتنياهو تسويقها للمجتمع الإسرائيلي حول القضاء على قدرات الحزب. ومن هنا يمكن فهم التصعيد في لبنان أيضاً محاولةً لاستعادة صورة الردع.
تمثّل هذه المعركة تحدياً لإيران التي روّجت منذ اللحظة الأولى لوقف إطلاق النار رواية النصر بوصفه نتيجة لصمودها وقدرتها على دفع واشنطن إلى وقف الحرب والتفاوض على أساس خطتها ذات البنود العشرة. إلا أن الاعتداءات على لبنان استهدفت هذه الرواية أيضاً، وهو ما دفع طهران إلى ربط مفاوضات إسلام آباد بوقف العدوان، في محاولة لتحويل "وحدة الساحات" من معادلة عملياتية إلى قاعدة إقليمية، والحفاظ على صورة النصر.
غير أن المعادلة الأهم التي تسعى إيران إلى تثبيتها تتعلق بمضيق هرمز، فمن الخطأ قراءتها بوصفها مجرد ورقة تفاوضية لرفع العقوبات. وتنظر طهران إلى هرمز اليوم باعتباره رافعة استراتيجية متعددة الأبعاد: اقتصادياً عبر جني عوائد تتخطى صادراتها النفطية والتأثير في أمن الطاقة والاقتصاد العالميين، وجيوسياسياً عبر امتلاك قدرة ردع ضد القوى الكبرى، وسياسياً وأمنياً كمدخل لإعادة تشكيل موازين النظام الإقليمي في الشرق الأوسط والخليج. بالتالي قد ترى طهران أن أي اتفاق مع واشنطن لن يحقق لها مكاسب تضاهي تلك التي يمكن أن تجنيها من النظام الذي تسعى إلى إنشائه في مضيق هرمز.

Related News
حرب إيران بين الهدنة والسلام
alaraby ALjadeed
6 minutes ago
بين لبنان وإسرائيل
alaraby ALjadeed
7 minutes ago
في انتظار أيام الطباشير
alaraby ALjadeed
8 minutes ago
عيون جزائرية في رواية بوليسية
alaraby ALjadeed
8 minutes ago
تركيا وسوريا إلى «شراكة استراتيجية»
aawsat
19 minutes ago