Arab
هدنة مؤقتة، في مسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإعلان عن وقف إطلاق نار بين شدٍّ وجذب، بينما لا تزال أهداف واشنطن وتل أبيب معلقة، ولم يتحقق لهما إسقاط النظام، ومصادرة اليورانيوم المخصب، وتدمير البرنامج الصاروخي، والسيطرة على مضيق هرمز، وإنهاء تحكم طهران عن طريق وضع قواعد جديدة لهذا الممر المائي الحيوي للملاحة الدولية. والنتيجة المهمّة أن استراتيجية التدمير التي اتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تنجح في إنجاز ما كان يصبو إليه رغم الكلفة العالية، ولم يفلح في تركيع إيران وإعادتها إلى العصر الحجري، كما لوّح بهذا. وفي غضون ذلك، كانت خسائر إيران كبيرة على مستوى القيادات السياسية والعسكرية، وإلحاق قدر هائل من التدمير بالبنى العسكرية والاقتصادية والمرافق العامة.
ردّت إيران باستراتيجية الفوضى التي قامت على أساس رفع كلفة الحرب، ليس على أميركا وإسرائيل فقط، بل أيضاً على دول الخليج العربي، التي تلقت من الهجمات الإيرانية أكثر من إسرائيل. وهنا يمكن تسجيل أكثر من نقطة لصالح دول مجلس التعاون الخليجي، التي خرجت بدروسٍ كبيرةٍ من هذه الحرب التي أصابت أمنها بأضرار كبيرة، وألحقت بها خسائر اقتصادية فادحة. والأمران المهمان في هذه التجربة المريرة هما نجاحها في الدفاع عن نفسها بصدّ معظم الاعتداءات الإيرانية التي تعرّضت لها. وقدرتها على ضبط النفس وعدم الانجرار وراء المحاولات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية لجرّها إلى المشاركة في الحرب، وتحويلها إلى ساحة مواجهة. وما هو ضروري اليوم أن تحافظ دول المجلس على وحدة موقفها وصلابته، لتكون لها كلمة في المفاوضات الخاصّة بالمنطقة، من منظور الحفاظ على سيادتها وأمنها ومصالحها.
ومهما يكن من أمر، لا يبدو أن خسائر إيران قد وصلت إلى حافّة التهديد الوجودي للنظام، ولا تزال قادرة على تسويق خطابها التعبوي لدى الأذرع المناصرة والمنخرطة في الحرب، كما هو حال حزب الله في لبنان الذي يلحق خسائر كبيرة بشمال إسرائيل، ومليشيات الحشد الشعبي في العراق التي تقصف مناطق واسعة داخل العراق والأردن وسورية، والحوثيين في اليمن، الذين انضمّوا أخيراً للمجهود الحربي، ويعملون على تهديد أمن منطقة البحر الأحمر. وعلى هذا، لم تصل طهران للحظة التي بلغها زعيم الثورة الإسلامية آية الله الخميني عام 1988 عندما أعلن عن تجرع كأس السم، وأوقف الحرب مع العراق، وكان هدفه الرئيسي الحفاظ على النظام.
من الواضح أن حساب الربح أو الخسارة بالنسبة لإيران يتعلق بضمان بقاء النظام، وبدا من شبه المؤكّد أنها لن تقبل وقف الحرب قبل بلوغ لحظة التهديد الوجودي. ومن هذا المنطلق، ردّد ساستها رفضهم هذا الهدف الذي طرحته واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب، ومن ثم تراجع على سلم الأولويات نظراً إلى كلفته العالية من جهة، ومن جهة أخرى تبين أن النظام الإيراني ليس بالهشاشة التي كانت تتصورها التقديرات الأميركية والإسرائيلية، بل يمتلك إمكانات كبيرة للدفاع عن نفسه، ولا تزال في حوزته أسلحة فتاكة، وفي يده أوراق عديدة مهمّة يستطيع من خلال لعبها تهديد الأمن الإقليمي، وإلحاق ضرر كبير بمصادر الطاقة وطرق الإمداد. وغير بعيد عن هذا، جاءت الوساطة الباكستانية لتشكل نقطة لقاء في منتصف الطريق، وخصوصاً أن الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ وصول الثورة الإسلامية إلى الحكم عام 1979، لم يكن هدفها إسقاط النظام في إيران، بل تغيير سلوكه، ولكن واشنطن باتت على قناعةٍ بأن هذا لن يحصل قبل أن تقلع إيران عن مشروعها النووي، وتهديد إسرائيل بالدرجة الأولى، وهنا العقدة الرئيسية في تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم.

Related News
مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
aawsat
43 minutes ago
محادثات لبنان وإسرائيل تنطلق «هاتفياً»
aawsat
54 minutes ago
مقترح إيران يُقلق الصين: المخاطر أعلى من المكاسب
alaraby ALjadeed
55 minutes ago