Arab
عرفت روما التقويم في القرن الثامن قبل الميلاد. وبعد نحو ثلاثة قرون، ابتدع الرومان علامات لتمييز الأيام التي يعتبرونها نحسة، للتحذير منها وللتذكير بما حدث فيها، عن أيام الفرح. اختار أبناء الجمهورية الفحم الأسود لتمييز الأيام النحسة ليتجنب الناس العمل فيها أو المبادرة لفعل. أما تلك الأيام، فكانت التي سبق أن وقعت فيها كوارث أو هزائم عسكرية، أو الأيام التي يقرّر الفلك أنها أيام نحس وفق حركة الكواكب. وكان حظ أيام الفرح أنها تميّز بالطباشير البيضاء. فأصبحت للانتصارات أيام بيضاء، وأصبح "اليوم الأسود" مفهوماً شائعاً لدى البشر للتعبير عن يوم المصيبة، رغم احتجاجنا، نحن أبناء البشرة السوداء، على هذا الربط.
يحفظ التاريخ كثيراً من "الأيام التي توصف أنها السوداء"، مثل الخميس الأسود (24 أكتوبر/ تشرين الأول 1929)، وقت الكساد العظيم عندما انهارت الأسواق وبدأت الأزمة الاقتصادية العالمية. والسبت الأسود (7 فبراير/ شباط 2009) في أستراليا، عندما التهمت الحرائق مدناً وأرواحاً. ويعرف السودانيون الاثنين الأسود في 1 اغسطس/ آب 2005، عندما أعلن خبر مصرع القائد جون قرنق، الزعيم الجنوب سوداني، فاشتعلت العاصمة الخرطوم واقتتل السودانيون أياماً واثنين أسود آخر في 3 يونيو/ حزيران 2019، عندما قتلت قوات المجلس العسكري الحاكم وقتها مئات المعتصمين السلميين.
ليلة الأربعاء 8 إبريل/ نيسان 2026 بدت كأنها ليلة "أربعاء أسود" تضاف إلى القائمة التي بدأها الرومان ولم تتوقف البشرية عن تغذيتها. مهلة الأيام التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب كانت تقترب من النهاية، ومعها زاد التهديد بضربات قد تستهدف البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل. كانت تلك ليلة تشبه ليلة "السبت الأسود" الشهيرة في 1962. وقتها اكتشفت الولايات المتحدة نشر صواريخ سوفييتية في جارتها كوبا. فرضت واشنطن حصاراً بحرياً وارتفع التوتر ووقف العالم على حافة الحرب النووية. جاء الشتاء النووي ليدقّ الأبواب، وتوقع الملايين في العالم أن يسمح له الأميركان والسوفييت بالدخول. ليلة السبت الأسود (27 أكتوبر) كانت ذروة التصعيد، ووضعت الأصابع على أزرار إطلاق النووي، والأكف على الصدور خوفاً من ذلك. مثل ليلة الأربعاء التي لم يعرف فيها العالم ما سيفعل ترامب.
ربما رغم تشابه الليلتين، فإن الفارق المهم بينهما كيفية إدارة الأزمة وقتها واليوم. كان الهدف المعلن للجميع في 1962 هو تجنب الحرب النووية بأي ثمن. وهو ما نجح فيه جون كيندي ونيكيتا خروتشوف عبر آلية تفاوض سرية أنقذت البشرية من فناء محقق. أما ليلة 8 إبريل، فكان ترامب يهدد بمحو حضارة كاملة ويصف أمة بأنها مجموعة من الحيوانات بلا حقوق، بينما تستهدف الصواريخ والمسيرات الانتحارية الإيرانية دول الخليج وتهدّد البنية التحتية للطاقة. الخطوط الحمراء التي كانت موجودة وقت أزمة الصواريخ الكوبية لم تعد هنا. وبشكلٍ ما كنا جميعاً نعلم أن أي طرف منهما قادر على تجاوز أي محاذير وارتكاب اي حماقة تقود المنطقة، وربما العالم، إلى كارثة نووية.
لهذا تتعالى، في أميركا على الأقل، الأصوات المحذّرة من تهور الرئيس الأميركي. حذّر السيناتور بيرني ساندرز من خطر انزلاق المنطقة إلى حربٍ واسعة. واعتبرت نانسي بيلوسي تصرّفات ترامب تهديداً للأمن القومي الأميركي. لا تتوقف التحذيرات عند الديمقراطيين، أصحاب الخصومة التقليدية مع الجمهوريين وترامب. فحتى الجمهوريون ينتقدون اندفاعه، إذ طالب جمهوريون بعزله عقب تهديده بمحو حضارة إيران. حتى من لا يرفضون الحرب شعروا بأنها لا ينبغي أن تكون هكذا. تدور الحرب في بقعة محاطة بشبكةٍ من التحالفات والتوترات المتراكمة، ما يجعل أي تصرّف غير محسوب سبباً لبداية سلسلة ردات أفعال لا يملك أحد التعامل مع تبعاتها.
رغم مرور "الأربعاء الأسود"، إلا أن أيام الطباشير لا تلوح في الأفق، فالثور الإسرائيلي ما زال يطيح في المنطقة محاولاً إعطاء الحرب فرصة جديدة. ما جعل لبنان يدفع ثمناً باهظاً مرّة أخرى، مثل ما حدث بعد إعلان توقف حرب العدوان على غزّة. وترد إيران، فنتحرك خطوة أخرى نحو لحظة مكرّرة تشبه سابقتيها.

Related News
مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
aawsat
40 minutes ago
محادثات لبنان وإسرائيل تنطلق «هاتفياً»
aawsat
51 minutes ago
مقترح إيران يُقلق الصين: المخاطر أعلى من المكاسب
alaraby ALjadeed
52 minutes ago