عيون جزائرية في رواية بوليسية
Arab
2 hours ago
share
يُستطابُ في كتاباتٍ صحافيةٍ ومتابعاتٍ نقديةٍ تحميل نصوصٍ سرديةٍ أبعاداً ومضامين لا تتحقّق فيها بالضرورة، مع ربط وقائع فيها بسياقاتٍ، في زمن الحكي أو بعده. وقد يحدُث غلوٌّ في هذا. وهذه رواية الجزائري سعيد خطيبي "أغالب مجرى النهر" (نوفل، بيروت، 2025) التي كُرّمت، الخميس الماضي، بنيْلها الجائزة العالمية للرواية العربية (في دورتها الـ19)، يذهب كاتبون عنها، وقرّاءٌ لها، إلى أنها تستشرف "العشرية السوداء" في الجزائر، بشاهد أن وقائعها في عام 1990، وبأنها معنيةٌ بحرب الاستقلال عن فرنسا، بشاهد أن أحد الراويَين المركزيَين فيها (عزّوز)، وهو والد الراوي الأول (طبيبة العيون عقيلة)، يستذكر سنوات مشاركته الملتبسة في الثورة عشية الاستقلال. فيما من بديهيّ البديهيّات أن يتأثّث أيُّ سردٍ عن أيِّ راهنٍ بإشاراتٍ وعلاماتٍ على حياةٍ عامةٍ وحوادث معلومةٍ وتاريخٍ منظورٍ في أزمنة القصّ، سواء في راهن الحكي أو من ماض يجري استدعاء محكيّاتٍ في أثنائه. والقول من قبل ومن بعد إن هذه رواية تنتسبُ إلى الأدب البوليسي، والمتميّز من هذا اللون في الإبداعات العربية شحيح. ولك أن تقول إنها أيضاً روايةٌ تنشدُ إشهار صوت المرأة العربية الجريحة، أو إن شئت إنها اعتنت بالأنوثة المُهانة في أوساطٍ مجتمعيةٍ (واسعة؟) عربيةٍ ذكوريةٍ محافظة (أو عنيفة؟). ولمّا قال الكاتب، في كلمةٍ مصوّرة في احتفالية إعلان الجائزة (بُثّت على الموقع الإلكتروني للجائزة)، إن روايته عن النساء، لم يضلّلنا. ولك، قبل هذا وبعدَه، أن ترى أن الرواية عَبَرَت إلى خيبة جزائريين من حالٍ عامٍّ يتسيّد فيه شعورٌ عالٍ بالخوف والقلق، ما قد يجعلك، باحتراسٍ وحذرٍ واجبَين، أن تفترضها خيبةً من إنجازاتٍ للثورة. لعلّ واحدةً من مواطن النباهة (والحذاقة) في هذه الرواية أنها راحت إلى موضوعاتها، وإلى ما أضمرْته من مرسلاتٍ وإيحاءاتٍ، باختيارها ثيمة العيون، وارتكازها على أن الشخصية المركزية فيها طبيبة عيون، تُشفي مرضاها من احتمالات العمى، فيُبصرون عندما تزرع لهم قرنيّاتٍ تأخُذها (أو تسرقها كما توحي الرواية) من عيون موتى. ... تُراه، أراد سعيد خطيبي القول إن الجزائر في حاجةٍ إلى عيون أخرى، أوسع، لتحدّق في أحوالها؟ ربما. لكن هذا ليس مهمّاً، فالأساسُ هو مجرى القصّ، عندما نرانا أمام جريمة تسميمٍ يقضي بسببها زوج الطبيبة في حادث سيّارة مسروقة، في تتابع تفاصيل مشتبكةٍ مع جريمة أخرى، ومع انكشاف أن أخا الطبيبة غير شرعي من والده، وأن لهذا الأخ ابنة غير شرعيّة، في علاقات مع دار دعارة. وفي تناوب سرودٍ يتولّاها الراويان (الطبيبة ووالدها)، ويقطُعها تدخّل الراوي العليم في مواضع هنا وهناك، نقع على مفاجآتٍ واستذكاراتٍ، ومع اشتباك حاضرٍ بماضٍ قريبٍ وآخر بعيد، فتبدو الرواية محمولةً على مقصدها الأساس، إمتاع قارئها بقصّةٍ بوليسيّةٍ، موصولةٌ تفاصيلُها، الصادمة (والمربكة أحياناً) بفضاء عامٍّ شاحبٍ على خيوطٍ مع ماضٍ عن عُملاء أو متهمين بالعمالة (منهم والد الطبيبة) إبّان ثورة الاستقلال، فحقّ هنا ما قاله رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية، التونسي محمّد القاضي، إن رواية سعيد خطيبي "جمعت بين أهمية الموضوع وطرافة المعالجة". وإنْ لم يكن في محلّه تماماً، ربما، التطرّف في قول الرئيس إنها "رحلة آسرة عكْس مجرى التاريخ، تتسلّل بسلاسةٍ في إرهاصات ما حدث في الجزائر قبيل العشرية السوداء". فثمة تزيّدٌ ظاهرٌ هنا، وإنْ أصاب قولُه إن صاحب الرواية قدّم فيها "مِزَقاً من لوحةٍ غائمةٍ معقّدةٍ نحتاج إلى إعادة تركيبها وترتيب شذراتها للخلوص إلى معنىً يختزل اللحظة التاريخية المتفلّتة". لم تُغالب طبيبة العيون مجرى أقدار حياتها، وقد تزوّجت من رجلٍ لم تحبّه، كان شرساً معها، وهو طبيبٌ شرعيٌّ شاركته سرقة قرنيات عيونٍ من موتى، وقد جرى الاشتباه بأنها التي تسبّبت بقتله مسموماً في حادث السيارة المُلغز، فكان تحقيقٌ مطوّل معها تُفتتح الرواية به. قالت "لو أنني غالبتُ طيبتي وغالبتُ مجرى رغباته، ولم أقتلع قرنيّات الموتى، لو لم أدرس الطب، ... لو ...، لما وقع ما وقع" (ص 132). ووالدُها تمنّى لو أنه لم يتصدَّ لرفاقه القدامى، فنزعوا عنه كنيته، وانقلبوا عليه، يقول "هل كانت حياتي ستسير على ألطف حالٍ لو أنني امتثلتُ لأمرهم، ولم أغالب مجرى النهر" (ص 270). ولكن، من في وُسعه أن يعاند مجرى الحياة والمكتوبَ فيها؟ لتُقرأَ الرواية، حسنة المبنى، من مدخلٍ كهذا، روايةً محض بوليسية أخذت الأقدارُ شخصياتِها إلى ما قرأنا.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows