Arab
عشية مفاوضات مباشرة مفترضة بين لبنان وإسرائيل، يصبح لزاماً فهم أي لبنان يفاوض. إذا كان لبنان المتردّد سياسياً، تحت مسمّى "التوافقية السياسية"، هو من يفاوض، فإنه مهما كان موقفه قوياً أو ضعيفاً، سيخسر قبل نطق أي كلمة. وإذا كان لبنان الساعي إلى لملمة الطوائف الأساسية الكبرى في البلاد: الموارنة، السنة، الشيعة، الروم الكاثوليك، الدروز، الروم الأورثوذكس، ضمن وفد تفاوضي واحد، فسيخسر أيضاً. وإذا كان لبنان المساير بين سلاح الشرعية وخارجها هو من سيشارك، فسيخسر أيضاً. لبنان المفاوض اليوم لا يُمكنه استنساخ وفود تفاوضية، سبق أن حضرت في اتفاق القاهرة في مصر، في عام 1969، ولا في اتفاق 17 أيار 1983. هذان الاتفاقان لم يستمرّا مطولاً. اتفاق القاهرة تمّ إلغاؤه في 1987، واتفاق 17 أيار في 1984. كلّف الأول لبنان حرباً دارت رحاها فيه بين عامي 1975 و1990، وأفضى الثاني إلى تمرّد على شرعية الدولة في 6 فبراير/ شباط 1984. اهتمّ المفاوضون في تلك المرحلة بمكاسب سياسية أكثر من الاهتمام بواقع الحاجة المجتمعية إلى اتفاق. وبدلاً من أن يمنح اتفاق القاهرة، ثم اتفاق 17 أيار، الاستقرار للبنان، أجّجا نيران زعزعته وتدميره. كذلك، لا يمكن السماح للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل بتكرار خطيئة الماضي، وإفساح المجال لتدمير البلاد مرّة أخرى فوق رؤوس أبنائها.
يبدأ الأمر بماذا يريد لبنان أيضاً من المفاوضات المباشرة. في ما يخص إسرائيل، كان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو واضحاً في الإشارة إلى بندين لا ثالث لهما: نزع سلاح حزب الله وتوقيع اتفاق سلام. وإذا كان لبنان يعتقد أنه في مثل هذه المفاوضات سيبحث فقط في وقف إطلاق النار، فإنه سيكون في وضع حرجٍ سياسياً. وفي الوقت نفسه، لا يُمكن البصم على توقيع اتفاق سلام، فيما الدماء تسيل بغزارة في المناطق اللبنانية. تقتضي الواقعية هنا بتأكيد واقع أساسي: هناك اتفاق هدنة مبرم في 1949، وهناك اتفاق ترسيم حدود بحرية أُقرّ في 2022، وهناك ملف ترسيم الحدود البرّية. يُمكن لبيروت الانطلاق من تلك النقاط، في أيٍّ من مراحل التفاوض. تلك النقاط لا تسمح بجعل الموقف اللبناني ضعيفاً، أقله على المستوى السياسي. غير أنه أيضاً، ليس من مصلحة لبنان الظهور بمظهر "الدولة الفاشلة"، غير القادرة على فرض رؤيتها أو قرارها، متحوّلة إلى ساحة تشابك إيرانية ـ إسرائيلية. من الصعب تفسير مثل هذا المشهد، فيما الحاجة إلى تطبيق مفهوم السيادة ينطلق من نقطة واحدة: إنهاء أزمنة الرمادية والحسم في موضوع سيادة القرار ثمّ الأرض، باعتبار أن الاحتلال الإسرائيلي جاثم على أجزاء واسعة من جنوب لبنان. "الرمادية" هنا تتجلى في مواقف سياسيين وعسكريين، يعتقدون أن ما يجري في لبنان يُمكن إدراجه في حسابات رئاسية ونيابية وحتى بلدية. أي إنهم لا يفهمون جذرياً مفهوم الدولة، سوى بالسعي إلى المناصب. لذلك، ستتيح المفاوضات المباشرة المفترضة، المجالَ لطرح أسئلة جوهرية مرتبطة بالذهنية السياسية اللبنانية، وباستعداد السلطة على معالجة التناقضات البنيوية في فهم "مشروع الدولة".
عدا ذلك، فإن السلوكات المتطيّرة في أي مفاوضات والعجز عن فهم الصورة الكبيرة للبنان وطناً ولدور الدولة فيها ولمفهوم السيادة ووحدة الأرض والقرار، سيجعل من المفاوضات المرتقبة نقطة سوداء، من دون المغالاة في أنها قد تنهي دور لبنان ـ 1920، لمصلحة كيانات مدمّرة ومتطرّفة، لم تر الحياة في حرب 1975 ـ 1990. بالتأكيد الأمر ليس سهلاً أبداً، والتراكمات التاريخية أكبر مما يمكن تخيّله، لكنها لحظة مفصلية لم يفرضها لبنان، بل فُرضت عليه لحسابات إيرانية صرف، لكن قدره في أن يواجهها. اليوم، بكل مساوئه، أفضل من الغد بكل غموضه. هذا ما يجب أن يعرفه المفاوض اللبناني.

Related News
مفاوضات إسلام آباد مثقلة بإرث من الشكوك
aawsat
46 minutes ago
محادثات لبنان وإسرائيل تنطلق «هاتفياً»
aawsat
57 minutes ago
مقترح إيران يُقلق الصين: المخاطر أعلى من المكاسب
alaraby ALjadeed
58 minutes ago