لم تكن المعضلة في قضية اغتيال القيادي الإصلاحي والتربوي الباز الدكتور عبدالرحمن الشاعر غياب التعاون الخارجي، فقد بادرت السلطات المصرية إلى القبض على اثنين من المتهمين الرئيسيين، وأبدت تعاونها مع السلطات اليمنية لاستكمال الإجراءات القانونية تمهيداً لتسليمهما إلى القضاء، غير أن هذا المسار انتهى بالإفراج عنهما، لتجد المحكمة الجزائية المتخصصة في عدن نفسها مضطرة إلى مواصلة محاكمتهما غيابياً باعتبارهما فارين من وجه العدالة.
ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على أداء الجهات اليمنية المعنية بمتابعة ملف الاسترداد، بعدما تحوّلت فرصة القبض على المتهمين داخل الأراضي المصرية إلى محطة لم تُستكمل بإعادتهما إلى اليمن، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى فاعلية متابعة الجهات اليمنية المختصة لإجراءات الاسترداد، في قضية كانت تمثل فرصة نادرة لمثول جميع المتهمين أمام القضاء.
القاهرة قامت بما عليها
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن السلطات المصرية لم تتجاهل القضية، بل ألقت القبض على المتهمين الأول والثاني فور وصولهما إلى أراضيها، في خطوة عكست استجابة القاهرة لطلبات ملاحقة المطلوبين وتعاونها مع السلطات اليمنية في مرحلة الضبط.
وفي مثل هذه القضايا العابرة للحدود، لا يعد القبض على المطلوبين نهاية المطاف، وإنما بداية لسلسلة من الإجراءات القانونية التي تتطلب تنسيقاً بين النيابة العامة والإنتربول والجهات القضائية في البلدين، تمهيداً لاستكمال إجراءات التسليم وفقاً للقوانين والاتفاقيات النافذة.
وكان احتجاز المتهمين يمثل فرصة ثمينة للسلطات اليمنية لاستكمال ملف الاسترداد، خصوصاً أن القضية تتعلق بجريمة اغتيال أثارت اهتماماً واسعاً داخل اليمن.
وقال مصدر مقرب من أسرة الدكتور عبدالرحمن الشاعر، لـ"الصحوة نت"، إن الأسرة تحمّل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مسؤولية استكمال ملاحقة المتهمين الرئيسيين في القضية، مؤكداً أن الإفراج عنهما من قبل السلطات المصرية لا يعفي الحكومة اليمنية والسلطات القضائية من مسؤوليتها في مواصلة ملاحقتهما واستنفاد جميع الوسائل القانونية والدبلوماسية لإعادتهما إلى اليمن، بما يضمن مثولهما أمام القضاء واستكمال مسار العدالة.
وأضاف المصدر أن الأسرة تنظر إلى القبض على المتهمين في مصر باعتباره دليلاً على تعاون السلطات المصرية مع الجانب اليمني، إلا أن عدم استكمال إجراءات استردادهما حرم أولياء الدم من فرصة محاكمتهما حضورياً، وألقى بظلاله على سير القضية.
من يتحمّل مسؤولية المتابعة؟
وخلال جلسة المحكمة الجزائية المتخصصة في عدن التي عُقدت يوم الأحد 5 يوليو الجاري، قد قررت السير في محاكمة المتهمين الأول والثاني في قضية اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر باعتبارهما فارّين من وجه العدالة، وذلك بعد تأكيد النيابة العامة تعذر إحضارهما رغم استنفاد الإجراءات القانونية ومخاطبة الجهات الأمنية المختصة، في جلسة شهدت أيضاً المثول الأول للمتهم الثامن أمام المحكمة.
وخلال الجلسة، أفادت النيابة العامة بأنها خاطبت شرطة عدن بشأن الإجراءات المتخذة لإحضار المتهمين الأول والثاني من جمهورية مصر العربية، وأنها تسلّمت الأحد مذكرة رسمية من مدير عام شرطة عدن تضمنت إفادة السلطات المصرية بالإفراج عن المتهمين قائد فاروق سعيد وعبدالرحمن عبدالقادر علي عبادي.
وعندما سألت المحكمة النيابة عما إذا كانت قد وصلت إلى مرحلة العجز عن إحضارهما، أكدت أنها استنفدت الإجراءات القانونية، بما في ذلك إصدار أوامر القبض ومراسلة الجهات المختصة، لكنها لم تتمكن من إحضارهما.
غير أن هذه الإفادات تثير في المقابل أسئلة مشروعة حول طبيعة الإجراءات التي اتُّخذت خلال فترة احتجاز المتهمين في مصر، ومدى سرعة استكمال طلبات التسليم، وما إذا كانت جميع القنوات القانونية والدبلوماسية قد استُخدمت قبل اتخاذ السلطات المصرية قرار الإفراج عنهما.
فرصة يصعب تعويضها
ويرى قانونيون أن القبض على مطلوبين خارج البلاد يمثل في كثير من الأحيان أصعب مراحل الملاحقة، ولذلك فإن نجاح السلطات المصرية في توقيف المتهمين كان يمكن أن يشكل نقطة تحوّل في القضية، لو استُكملت الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب.
ويشير مختصون إلى أن استمرار احتجاز المطلوبين في دولة أخرى يرتبط عادة بوجود طلبات قانونية مكتملة، ومتابعة مستمرة بين السلطات القضائية في البلدين، وهو ما يجعل نتائج هذه القضية محط تساؤل، خاصة مع انتهاء الأمر بإطلاق سراح المتهمين.
وبالنسبة لأولياء الدم، فإن محاكمة المتهمين غيابياً لا تحقق الهدف الأساسي المتمثل في مثول جميع المتهمين أمام القضاء، ومواجهتهم بالأدلة وسماع دفوعهم، بما يعزز ثقة المجتمع في العدالة ويغلق باب الجدل حول القضية.
تأثير مباشر على سير المحاكمة
فرض إفلات المتهمين من الحضور أمام المحكمة واقعاً جديداً على سير القضية، إذ اضطرت المحكمة إلى تطبيق الإجراءات الخاصة بمحاكمة الفارين من وجه العدالة، وهي إجراءات يجيزها القانون، لكنها تبقى الخيار الأقل مثالية مقارنة بمحاكمة يحضر فيها جميع المتهمين.
وكان من شأن تسليم المتهمين أن يمنح المحكمة فرصة لاستكمال المحاكمة بحضور جميع أطراف القضية، ومواجهة المتهمين بالأدلة الفنية، وتسجيلات كاميرات المراقبة، وأقوال الشهود، بما يعزز من قوة الأحكام القضائية ويحد من أي جدل لاحق بشأنها.
أسئلة تنتظر الإجابة
وبينما تستعد المحكمة لمواصلة جلساتها خلال الأيام المقبلة، تبقى جملة من الأسئلة دون إجابة واضحة: هل وصلت طلبات التسليم إلى السلطات المصرية بالصيغة القانونية المطلوبة؟ وهل استُكملت جميع الإجراءات القضائية والدبلوماسية في الوقت المناسب؟
حتى الآن، لا يبدو أن المشكلة كانت في تعاون القاهرة، التي نفذت عملية القبض على المطلوبين، بقدر ما تتمثل في الحلقة التالية المتعلقة باستكمال إجراءات الاسترداد والمتابعة القانونية وهذا يخص الجهات المعنية اليمنية.
ومع استمرار المحاكمة غيابياً، تبقى قضية اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر مثالاً على أن نجاح أي تعاون أمني بين الدول لا يكتمل إلا بمتابعة قانونية وقضائية فاعلة، تضمن استرداد المطلوبين وعدم إفلاتهم من العدالة، وهو ما ترى أسرة الشاعر أن الحكومة اليمنية ما تزال مطالبة باستكماله حتى اليوم.