الموت حين يطرق أبواب العلماء ليس حدثًا عابرًا، بل هو رجفةٌ تصيب القلوب، وانطفاءٌ لسرج ٍطالما أضاءت دروب السائرين إلى الله، وثُلمةٌ في بناء الأمة لا يسهل رأبها.
وبرحيل فضيلة العلامة الشيخ علي بن سالم بكير، عضو مجلس الشورى اليمني، وأحد مؤسسي الاصلاح.وعضو هيئة علماء اليمن، ورئيس مجلس الإفتاء بوادي حضرموت ، فقدت اليمن أحد أعلامها الكبار، وخسر العالم الإسلامي عالمًا ربانيًا أفنى عمره في خدمة العلم، ونشر الفقه، وتربية الأجيال، وإصلاح ذات البين.
لقد كان الشيخ مدرسةً قائمةً بذاتها، جمع بين رسوخ العلم، ونقاء السريرة، وسعة الأفق، ورجاحة العقل. لم يكن الفقه عنده محفوظاتٍ تُتلى، ولا مسائلَ تُحرَّر فحسب، بل كان فهمًا عميقًا لمقاصد الشريعة، وإدراكًا واعيًا لفقه الواقع، واستيعابًا لطبيعة التحديات التي تواجه الأمة في كل مرحلة من مراحلها.
أمضى، رحمه الله، عقودًا من عمره في محراب العلم والتعليم، متنقلًا بين التدريس، والإفتاء، والتأليف، والدعوة، حتى غدا مرجعًا موثوقًا، يقصده طلاب العلم، ويأنس برأيه الباحثون، ويجد الناس في علمه سكينةً، وفي حكمته رشدًا. وكان، مع سعة علمه، بالغ التواضع، قريبًا من الناس، لا تحجبه مكانته عن صاحب حاجة، ولا يغلق بابه في وجه طالب علم أو مسترشد.
ولم تكن مكانته العلمية وحدها سرَّ محبة الناس له، بل كان خُلُقُه قبل علمه، وزهده قبل شهرته، وحرصه على جمع الكلمة وإصلاح ذات البين قبل كل شيء. عاش للناس كما عاش للعلم، فكان سندًا للضعفاء، وملاذًا للمحتاجين، وصوتًا للحكمة في أوقات الفتن، يدعو إلى الاعتدال، ويرسخ قيم الوسطية، ويجعل من العلم سبيلًا للبناء لا للهدم، وللوحدة لا للفرقة.
وقد خلَّف، رحمه الله، تراثًا علميًا وفكريًا سيظل شاهدًا على سعة اطلاعه، وعمق فقهه، وإخلاصه لرسالته. وستبقى مؤلفاته، ودروسه، وفتاواه، وتلامذته صفحاتٍ مشرقةً في سجل العلم، تنقل أثره من جيل إلى جيل، وتُبقي حضوره حيًا وإن غاب الجسد.
صدق الله العظيم إذ قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، وقد فسر بعض أهل العلم نقصانها بذهاب علمائها وأهل الخير فيها؛ إذ إن موت العالم ليس فقدًا لشخص، وإنما هو فقدٌ لعلمٍ، وحكمةٍ، وتجربةٍ، وميراثٍ من الهداية.
ورحم الله من قال: “موت العالم ثُلمةٌ في الإسلام لا يسدها شيءٌ ما اختلف الليل والنهار.” واليوم نشعر بصدق هذه الكلمة ونحن نودع شيخًا كان من منارات العلم والفضل في زمانه، ترك فراغًا لا يملؤه إلا رجال يحملون رسالته، ويقتفون أثره، ويواصلون مسيرته في خدمة الدين والأمة.
نسأل الله تعالى أن يتغمد فقيدنا الشيخ العلامة علي بن سالم بكير بواسع رحمته، وأن يفيض عليه من رضوانه، وأن يجعل علمه الذي نشره، والقلوب التي هداها، والطلاب الذين ربَّاهم، والصلح الذي سعى إليه، صدقةً جاريةً ترفع درجاته إلى يوم الدين.
اللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، واجعل الفردوس الأعلى مستقرَّه، وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
خالصُ عزائي لأسرته الكريمة، وأبنائه، ولجميع طلابه ومحبيه، ولكافة أبناء اليمن، سائلين المولى سبحانه وتعالى أن يخلفه علينا جميعًا بخير .
إنا لله وإنا إليه راجعون.