هل شكلتنا ألعاب الفيديو؟
Arab
1 hour ago
share
هل بإمكان جيلنا، الذي وعى على بداية طفرة ألعاب الفيديو، النظر اليوم للألعاب التي لعبناها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كمختبر مُبكّر لتشكيل منظورنا للعالم، العالم كنظام، والقرار كمخاطرة مدروسة، والنجاح كنتيجة لصبر وتخطيط ومحاولات مُتكرّرة؟ حين أعود بذاكرتي إلى تسعينيات القرن الماضي وبعد القفزة من أتاري الثمانينيات إلى حاسوب التسعينات، لا أستعيد فقط صورة أجهزة الحاسوب الثقيلة، وشاشاتها الأثقل والأقلّ وضوحًا، والأقراص المرنة قياس 5.25 و3.5، التي استُوحيت منها أيقونة الحفظ (Save Icon) الشهيرة المُستخدمة في البرامج حتى يومنا هذا؛ بل أستعيد تلك الساعات الطويلة التي قضيتها أمام ألعاب بدت لنا يومها أكثر من مجرّد تسلية. كنتُ مهووسًا بألعاب مثل أمير فارس (Prince of Persia) و(Doom) وعصر الإمبراطوريات (Age of Empires)، إلى حدّ جعلني أظنّ أنّني مدمن ألعاب يضيّع الوقت، لا أكثر. لكن بعد عقود من ترك هذه التسلية، وبعد مسار طويل في العمل والحياة، أجد نفسي أتساءل: هل كانت تلك الألعاب فعلًا مجرّد لعب ولهو، أم أنّها تركت فينا أثرًا خفيًا في طريقة التفكير والنظر إلى العالم؟ في Prince of Persia، لم تكن القوّة وحدها كافية لإنقاذ اللاعب. كان السر يكمن في التوقيت، وفي الصبر، وفي القدرة على إعادة المحاولة بعد الفشل. قفزة واحدة في غير وقتها تعني السقوط، وتردّد بسيط أمام فخّ قد يبدّد كلّ ما أنجزته. لربما علّمتني اللعبة، رغم بساطتها، أنّ الطريق لا يُفتح بالمغامرة الهوجاء، بل بفهم الإيقاع الداخلي للحركة. وربّما لهذا بقي في داخلي شيء من ذلك الدرس أنّ القرار الصحيح لا يكفي وحده، بل يحتاج أن يُتخذ في لحظته المناسبة لتحقيق المراد. القرار الصحيح لا يكفي وحده، بل يحتاج أن يُتخذ في لحظته المناسبة لتحقيق المراد أما Doom، فقد كانت مدرسة مختلفة تمامًا. عالم مظلم وسريع، ممرّات غامضة تخفي الوحوش، وأبواب لا تعرف ما الخطر الذي ينتظرك خلفها. هناك لم يكن المطلوب أن تختفي المخاوف والمخاطر من أمامك، بل أن تتحرّك رغم وجودها. وربّما علّمتنا تلك اللعبة أنّ الحياة، مثلها مثل الممرّات المُظلمة، لا تمنحنا دائمًا خريطة كاملة قبل أن نبدأ. أحيانًا نتقدّم لأنّ الوقوف أخطر من الحركة، ولأنّ المجهول لا يُفهم إلا بالغوص في أعماقه. لكن Age of Empires كانت الأقرب إلى عالمي المهني لاحقًا. تبدأ اللعبة بموارد محدودة، ومساحة غير مكتشفة، وعدد قليل من الأفراد، ثم تجد نفسك أمام أسئلة تشبه أسئلة المؤسسات والدول: هل أستثمر في الاقتصاد أم في الدفاع؟ هل أتوسّع الآن أم أنتظر؟ هل أطوّر التكنولوجيا أم أحافظ على الموارد؟ كانت اللعبة درسًا مُبسّطًا في الاستراتيجية وإدارة الأولويات. لا يمكن أن تكسب معركة إذا خسرت اقتصادك، ولا يمكن أن تبني حضارة إذا لم تفهم العلاقة بين الموارد والزمن والمخاطر. الحياة، مثلها مثل الممرات المظلمة، لا تمنحنا دائمًا خريطة كاملة قبل أن نبدأ لهذا أجد صعوبة اليوم في اعتبار تلك الألعاب ذكريات بريئة فقط. نعم، كانت تسرق الوقت، وقد تعزلنا أحيانًا عن العالم، وربّما منحتنا وهم السيطرة داخل عوالم افتراضية أكثر وضوحًا وعدلًا من الحياة الحقيقية. لكنني أعتقد جازمًا أنّها درّبتني على الصبر، والتوقيت، والتخطيط، وقراءة البيئة المُحيطة، وتقبّل الخسارة جزءاً من الرحلة، والعودة من جديد. ولربما فعلًا كانت، من حيث لا ندري، مختبرًا صغيرًا لفهم العالم بوصفه نظامًا مُعقّدًا لا يكشف نفسه دفعة واحدة. ومع ذلك، لا أريد الوقوع في فخ إضفاء الرومانسية على التجربة أكثر ممّا ينبغي. فالإنسان لا تصنعه لعبة واحدة، ولا كتاب واحد، ولا ذكرى واحدة ولا حتى العشرات منها. نحن نتشكّل من آلاف الطبقات التي تشمل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، والأصدقاء، والكتب، والفشل، والعمل، والسفر، والصدف الصغيرة، وأكثر منها هما الطموح والفضول الداخليان. لكن ربّما كانت ألعاب التسعينيات إحدى تلك الطبقات التي تركت أثرًا هادئًا في الخلفية، خصوصًا لدى جيل تعامل معها قبل أن تصبح الألعاب صناعة كبرى قائمة على الخوارزميات واقتصاد الانتباه والشراء المستمر داخل اللعبة. كنّا ندمن تلك الألعاب لأنّنا أحببنا تحديها وغموضها، لا لأنّها كانت تعرف نقاط ضعفنا النفسية بدقة كما يفعل كثير من منصّات اليوم. ولذلك يبدو السؤال اليوم أكثر تعقيدًا من مجرّد الحنين إلى الماضي. فإذا كانت ألعاب ذلك الزمن قد علّمتنا أحيانًا الصبر والتخطيط والمثابرة، فماذا تفعل ألعاب اليوم بالأجيال الجديدة؟ هل تمنحها المهارات نفسها أم مهارات مختلفة، أم تسلبها التركيز والوقت والهدوء الداخلي؟ ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تؤثّر الألعاب على الجميع بالطريقة نفسها؟ وهل تتأثّر الأجيال التي جاءت بعدنا بالمزيج ذاته من الإيجابية والسلبية، أم أنّ ألعاب اليوم لم تعد مجرّد عوالم نلعب داخلها، بل أصبحت أحيانًا عوالم تلعب بنا أيضًا؟

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows