Arab
تزايدت خلال السنوات الأخيرة الدراجات النارية في شوارع تونس، بشبان "الدليفري" الذين يحملون حقائب التوصيل بألوان التطبيقات الرقمية المختلفة. مشهد يومي يعكس تحولاً عميقاً في سوق العمل، حيث وجد آلاف الشباب في خدمات التوصيل المنزلي باباً للهروب من البطالة، ولو عبر عمل هش يفتقر إلى الاستقرار والحقوق الاجتماعية.
ومنذ جائحة كورونا تحديداً، شهد قطاع التوصيل في تونس نمواً متسارعاً مدفوعاً بتغير عادات الاستهلاك وانتشار التطبيقات الرقمية، إلى جانب تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع البطالة في صفوف الشباب وخريجي الجامعات. وتوسع اقتصاد التطبيقات بسرعة داخل السوق التونسية، مستقطباً مئات المطاعم والمتاجر وآلاف العاملين بنظام الشريك المستقل، وهو توصيف قانوني يثير جدلاً واسعاً بشأن حقوق هؤلاء العمال.
وتشير معطيات نشرتها منصة غلوفو إلى أن الشركة تضم أكثر من 1400 شريك من مطاعم ومتاجر، ومئات عمال التوصيل في عدة مدن تونسية، مع تسجيل مئات آلاف الطلبات سنوياً. لكن خلف هذا النمو السريع، يتشكل ما يسميه باحثون "اقتصاد المنصات الهش"، حيث يتحول العمل إلى خدمات يومية غير مستقرة، دون عقود واضحة أو تغطية اجتماعية حقيقية.
يقول الباحث في علم الاجتماع سفيان جاب الله، الذي أنجز دراسة بعنوان "الشباب، التطبيقة والحريف: سوسيولوجيا خدمات توصيل الأكل بتونس" لمصلحة مؤسسة فريدريش إيبرت البحثية "إن قطاع التوصيل يكشف تحولات عميقة في علاقة الشباب التونسيين بالعمل والهشاشة الاقتصادية".
ويؤكد جاب الله في تصريح لـ"العربي الجديد" أن أغلب العاملين في القطاع تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عاماً، وينحدرون من أوساط اجتماعية فقيرة أو متوسطة، كما أن عدداً كبيراً منهم انقطع مبكراً عن الدراسة. ويضيف أن التطبيقات تعتمد غالباً على عقود إسداء خدمات بدل عقود الشغل التقليدية، ما يسمح للشركات بالتنصل من التزاماتها الاجتماعية تجاه العمال، على غرار الضمان الاجتماعي والتأمين ضد حوادث الشغل.
وفي تونس سجلت نسبة بطالة الشباب (15-24 سنة) تراجعاً طفيفاً لتصل إلى 37.5% خلال الربع الأول من العام الحالي، بعدما كانت 38.4% في نهاية 2025. ورغم هذا الانخفاض، تظل معدلات بطالة الشباب، وخاصة بين الخريجين الجامعيين، مرتفعة جداً وتعد تحدياً هيكلياً رئيسياً في سوق العمل.
ويقول أحمد (26 عاماً)، وهو عامل توصيل في العاصمة، إن العمل عبر التطبيقات أفضل من البطالة لكنه مرهق وغير مضمون. ويصل عدد ساعات العمل بحسب أحمد إلى أكثر من 11 ساعة يومياً من أجل تحصيل دخل يومي يتراوح بين 50 و60 ديناراً (بين 17 و20 دولاراً) مع تحمّل كلفة البنزين وصيانة الدراجة النارية وحتى الحوادث المحتملة على الطريق.
يؤكد الشاب العشريني في تصريح لـ"العربي الجديد" أن الضغط الذي تفرضه التطبيقات يدفع الكثير من السائقين إلى المجازفة في الطرق لتسليم الطلبات بسرعة. تتقاطع تصريحات أحمد مع ما أورده جاب الله في دراسته التي اعتبرت أن بعض التجاوزات المرورية التي يرتكبها عمال التوصيل ترتبط أساساً بالضغوط المهنية ونظام التقييم السريع المعتمد داخل التطبيقات.
ويحذر جاب الله من أن المقاربة الرسمية تجاه الاقتصاد غير المنظم لا تزال أمنية أكثر منها اجتماعية، مع غياب سياسات فعلية لإدماج هذه الفئات ضمن الاقتصاد الرسمي. وبينما تحقق التطبيقات الرقمية أرباحاً متنامية، تؤكد الدراسة أن آلاف الشبان التونسيين عالقون في منطقة رمادية؛ لا هم عاطلون تماماً عن العمل، ولا هم يتمتعون بحقوق العمال التقليديين. ويعتبر رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة عبد الرزاق حواص أن توسع خدمات التوصيل يندرج ضمن اتساع الاقتصاد غير المنظم في تونس، الذي يستوعب نسباً مرتفعة من اليد العاملة خارج الأطر القانونية والاجتماعية.
وأكد حواص في تصريح لـ"العربي الجديد" وجود ترابط واضح بين الهشاشة الاجتماعية والاقتصاد غير النظامي، حيث تدفع البطالة وضعف الأجور الشباب نحو أنشطة سريعة الدخل، لكنها تفتقر للحماية والاستقرار. واعتبر المتحدث أن قطاع خدمات التوصيل المرتبط بالتطبيقات ينمو بوتيرة سريعة، مدفوعاً بإقبال متزايد من المستهلكين على خدمات التوصيل التي أصبحت تشمل الطعام والمواد الغذائية والأدوية وحتى الهدايا.
وأشار إلى أن نموذجاً اقتصادياً جديداً يتطور في تونس قائم على العمل الحر، لكنه يثير في المقابل مخاوف متزايدة بشأن هشاشة أوضاع العاملين وغياب الحماية الاجتماعية. وتشير بيانات حول الاقتصاد الموازي في تونس إلى أن نحو 1.6 مليون تونسي يعملون خارج الأطر القانونية المنظمة، أي ما يقارب نصف اليد العاملة. وفي دول أوروبية مثل إسبانيا وإيطاليا، أثارت أوضاع سائقي التوصيل جدلاً واسعاً دفع السلطات إلى التدخل لإجبار بعض الشركات على تسوية وضعية العمال والاعتراف بحقوقهم المهنية.

Related News
عاصفة ديون تضرب مصر وتؤرق الأسواق
alaraby ALjadeed
13 minutes ago