Arab
تكثف الحكومة الإسبانية خلال الأشهر الأخيرة جهودها لتقديم البلاد باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصادات الأوروبية استقراراً وجاذبية للاستثمار، مستفيدة من حالة التباطؤ التي تضرب عدداً من الاقتصادات الكبرى في القارة، ومن تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد. وتبنت مدريد خطاباً اقتصادياً يقوم على فكرة "الاستثناء الإسباني"، عبر الترويج لإسبانيا "ملاذاً آمناً" للمستثمرين الدوليين في عالم يزداد اضطراباً. وجاء هذا الخطاب بصورة أوضح خلال النسخة الثانية من قمة "استثمر في إسبانيا"، التي عقدت في مدريد نهاية إبريل/ نيسان الماضي، وواصلت الحكومة الترويج لمخرجاتها طوال شهر مايو/ أيار الجاري. وخلال القمة، قدم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بلاده باعتبارها ملاذاً آمناً حقيقياً للمستثمرين الدوليين، بفضل ما وصفه بمزيج من النمو المتوازن والديناميكية الاقتصادية، والقدرة على الصمود في مواجهة الأزمات، وتحسن أوضاع المالية العامة بشكل متزايد، مؤكداً أن هذه العوامل تمنح المستثمرين الاستقرار والربحية، وتجعل من إسبانيا وجهة استثمارية آمنة ومتنامية.
ولم يكن هذا الخطاب معزولاً عن التحولات التي تشهدها أوروبا. فبحسب تقرير نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، الجمعة الماضية، استند إلى مؤشر الجاذبية الاستثمارية الصادر عن شركة "إرنست ويونغ"، بدأت دول جنوب أوروبا ووسطها، وعلى رأسها إسبانيا، في جذب اهتمام متزايد من المستثمرين على حساب بعض الاقتصادات الغربية التقليدية، في ظل تباطؤ الاقتصادين، الألماني والفرنسي، وتراجع جاذبية المشاريع الصناعية في القارة. ويستند الخطاب الحكومي الإسباني إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية التي تحاول مدريد تحويلها إلى سردية متكاملة حول الاستقرار الإسباني. فإسبانيا لا تزال تحقق معدلات نمو تفوق متوسط منطقة اليورو، وتواصل جذب استثمارات أجنبية في قطاعات الطاقة المتجددة، والبنية الرقمية، ومراكز البيانات، والخدمات المتقدمة. كذلك، تستفيد البلاد من استمرار تدفقات أموال التعافي الأوروبية، ومن توسع قطاع السياحة والخدمات، إضافة إلى ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة المحلي.
الطاقة والعمل يدعمان الاقتصاد
وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، يشير الخبير الاقتصادي، أنخيل تافاليرا، إلى أن الأداء الحالي للاقتصاد الإسباني لا يمكن فصله عن ثلاثة عوامل مترابطة: قوة الطلب الداخلي، وارتفاع تدفقات الهجرة التي دعمت سوق العمل، إضافة إلى انتعاش الاستثمار الأجنبي. لكنه يضيف أن هذا الزخم رغم قوته الظاهرة، لا يخلو من حساسية عالية تجاه تطورات السياسة النقدية الأوروبية، موضحاً أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول قد يؤدي إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة النمو، خصوصاً في القطاعات المعتمدة على التمويل الائتماني مثل العقار والصناعة. وتعتمد الحكومة الإسبانية في ترويجها للاستثمار على ثلاثة محاور رئيسية: الطاقة، وسوق العمل، والاستقرار المالي. ففي ملف الطاقة، تحاول مدريد تقديم نفسها باعتبارها واحدة من أكثر الدول الأوروبية استعداداً للتحول الأخضر، خصوصاً مع توسع مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.
وخلال قمة "استثمر في إسبانيا"، قال سانشيز إن بلاده أصبحت قادرة على مواجهة أسوأ أزمة طاقة في التاريخ، بفضل امتلاكها سبع محطات لإعادة تغويز الغاز الطبيعي وثماني مصافٍ نفطية، إضافة إلى انخفاض أسعار الكهرباء مقارنة بعدد من الاقتصادات الأوروبية المنافسة. أما في سوق العمل، فتشير الحكومة إلى استمرار ارتفاع معدلات التوظيف، خصوصاً بين النساء والعمال الأجانب، مع توسع قطاعات التكنولوجيا والخدمات الرقمية. غير أن عدداً من الاقتصاديين يحذرون من أن جزءاً مهماً من هذا التحسن لا يزال مرتبطاً بقطاعات موسمية وخدمية، وعلى رأسها السياحة، التي تبقى شديدة التأثر بالأزمات الاقتصادية والجيوسياسية.
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة كومبلوتنسي بمدريد، خافيير أندرس، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن إسبانيا تمكنت خلال السنوات الأخيرة من تثبيت موقعها باعتبارها أحد الاقتصادات الأكثر ديناميكية داخل منطقة اليورو، مستندة إلى تحسن واضح في سوق العمل وتوسع في قاعدة التوظيف، إلى جانب الاستثمارات المكثفة في الطاقة المتجددة والتحول الرقمي. لكنه يلفت إلى أن هذا التفوق النسبي لا يزال يواجه اختبار الاستدامة على المدى المتوسط، مشيراً إلى أن ضعف الإنتاجية، إلى جانب أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة في المدن الكبرى، قد يحد من قدرة الاقتصاد على الحفاظ على مستويات النمو الحالية نفسها إذا لم تُعالَج بشكل هيكلي وعميق.
أزمات تهدد الزخم الاقتصادي
وفي السياق نفسه، يضيف الخبير الاقتصادي الإسباني سانتياغو كارب، أستاذ الاقتصاد بجامعة فالنسيا، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن قوة الاقتصاد الإسباني الحالية تعكس قدرة واضحة على الاستفادة من التحولات الأوروبية في مجالات الطاقة والهجرة والاستثمار، لكنه يحذر من أن جزءاً من هذا النجاح يعتمد على عوامل خارجية مثل تدفقات الأموال الأوروبية والسياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي. ويشير كارب إلى أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة يتمثل برفع إنتاجية الاقتصاد وتقليص الفجوة بين النمو الكمي والنمو النوعي، موضحاً أن استمرار الاعتماد على الاستهلاك الداخلي وحده قد لا يكون كافياً لضمان استدامة هذا الأداء على المدى الطويل دون إصلاحات هيكلية أعمق. وفي إطار تعزيز هذه السردية الاستثمارية، أعلنت الحكومة الإسبانية خلال الأسابيع الماضية مواصلة العمل على صندوق إسبانيا تنمو، الذي يستهدف تعبئة استثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة المتجددة، والبنية الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والإسكان، وإعادة التصنيع.
وتواصل مدريد تقديم نفسها مركزاً أوروبياً قادراً على الاستفادة من التحولات الجارية في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً مع محاولات الشركات الأوروبية لتقليل اعتمادها على بعض الأسواق الخارجية. لكن رغم هذا الخطاب المتفائل، لا تزال الحكومة الإسبانية تواجه تحديات داخلية معقدة، يأتي في مقدمتها ملف الإسكان، الذي تحول إلى أحد أبرز مصادر الضغط الاجتماعي والاقتصادي داخل البلاد. فقد شهدت أسعار الإيجارات والعقارات ارتفاعات حادة في مدن مثل مدريد وبرشلونة ومالقة وفالنسيا، وسط نقص واضح في المعروض السكني، وتوسع نشاط الشقق السياحية قصيرة الأجل. كذلك لا يزال معدل البطالة الإسباني من بين الأعلى داخل الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين الشباب، رغم التحسن النسبي في سوق العمل. ويضاف إلى ذلك استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الإنتاجية مقارنة ببعض الاقتصادات الأوروبية المنافسة.

Related News
ترامب يدرس حضور نهائي دوري السلة الأميركي
alaraby ALjadeed
36 minutes ago
تبرئه مسؤول «فوكس» السابق على خلفية قضية فساد في كرة القدم
aawsat
38 minutes ago