الواردات تخنق تركيا... فاتورة الطاقة تلتهم مكاسب الصادرات
Arab
1 hour ago
share
رغم تسجيل تركيا أعلى قيمة صادرات في تاريخها خلال العام الماضي، فإن الاقتصاد التركي يواجه مفارقة تجارية متصاعدة، فكلما ارتفعت الصادرات، اتسعت في المقابل فاتورة الواردات، خصوصا الطاقة ومدخلات الصناعة، بما يبقي الميزان التجاري في حالة عجز مزمنة، ويدفع البلاد إلى التراجع تدريجيا على خريطة كبار المصدرين عالميا. وتكشف أحدث بيانات منظمة التجارة العالمية حجم هذا التناقض، إذ تراجعت تركيا خلال عام 2025 إلى المرتبة الحادية والثلاثين بين أكبر الدول المصدرة في العالم، رغم ارتفاع صادراتها إلى 273.4 مليار دولار، فيما صعدت إلى المرتبة الثانية والعشرين عالميا بين أكبر الدول المستوردة، بواردات بلغت 365.4 مليار دولار. وبينما تواصل الحكومة التركية الترويج لنموذج اقتصادي قائم على الإنتاج والتصدير والتوسع الصناعي، لا تزال فاتورة النفط والغاز، التي تقترب من 55 مليار دولار سنويا، تلتهم جانبا كبيرا من مكاسب التجارة الخارجية، لتبقى الطاقة الحلقة الأثقل في الاقتصاد التركي. أسباب العجز التجاري ويرى المحلل التركي يوسف كاتب أوغلو أن الصادرات التركية، رغم ارتفاع قيمتها وتنوعها ودخول الصناعات الدفاعية ضمنها، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات منخفضة القيمة المضافة، مثل الزراعة والنسيج والحديد، في حين تتركز الواردات التركية في السلع مرتفعة الكلفة، سواء كانت تكنولوجية أو مواد أولية أو مصادر طاقة. ويضيف أن استمرار تقلبات سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم، التي تقترب من 32%، يؤديان إلى زيادة تكاليف الإنتاج، ويضعفان القدرة التنافسية للمنتجات التركية في الأسواق الخارجية، معتبرا أن هذين العاملين يمثلان السبب الأبرز لاستمرار العجز التجاري في تركيا. ويلفت كاتب أوغلو، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، إلى أن واردات الذهب والمعادن الثمينة خلال السنوات الأخيرة يجب أن تؤخذ أيضا في الاعتبار عند تقييم الميزان التجاري، موضحا أن تركيا استوردت ما يقارب 25 مليار دولار من الذهب خلال العام الماضي وحده. لكنه يشير في المقابل إلى أن الموقع الجغرافي لتركيا، إلى جانب بدء استغلال الغاز المحلي، ومرور خطوط الطاقة عبر أراضيها، قد يسهم تدريجيا في تخفيف فاتورة واردات الطاقة، متوقعا تحسن موقع تركيا على خريطة التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة. وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى أن واردات تركيا لا تزال تعتمد بصورة رئيسية على الوقود المعدني والطاقة، إلى جانب الآلات والسيارات والمواد الأولية والمعادن، وعلى رأسها الحديد والصلب والبلاستيك والمواد الكيميائية العضوية والنحاس. كما بقي نمو الصادرات التركية دون المتوسط العالمي البالغ 7.2% خلال عام 2025، رغم ارتفاعها بنسبة 4.4% مقارنة بالعام السابق، ما يعكس صعوبة انتقال الاقتصاد التركي حتى الآن إلى نموذج تصديري قائم على التكنولوجيا والقيمة المضافة المرتفعة. الواردات تربك الميزان وبحسب البيانات الأممية، جاءت تركيا في المرتبة الثانية والعشرين بين أكبر الدول المستوردة عالميا، متقدمة على عدد من الاقتصادات الإقليمية، فيما تقلصت الفجوة بينها وبين الإمارات العربية المتحدة بعد انخفاض واردات الأخيرة بنسبة 18.4%، من 444.7 مليار دولار إلى 362.8 مليار دولار. كما تجاوز نمو الواردات التركية نظيره في عدد من الاقتصادات الكبرى، مثل فرنسا وكندا واليابان وبلجيكا، فضلاً عن تفوقها على دول مثل إندونيسيا وإسرائيل وجنوب أفريقيا واليونان. في المقابل، سجلت اقتصادات أوروبية أخرى زيادات أكبر في الواردات، أبرزها المملكة المتحدة وإسبانيا والبرتغال، بينما تصدرت سويسرا قائمة أسرع أسواق الاستيراد نمواً بنسبة بلغت 36.9%. وتظهر بيانات التجارة العالمية استمرار الاقتصادات الآسيوية في تعزيز حصتها من نمو الواردات العالمية، حيث سجلت تايوان نموا بنسبة 22.7%، تلتها فيتنام بنسبة 17.9%، ثم هونغ كونغ بنسبة 19.5%، وماليزيا بنسبة 13%. كما عززت الهند موقعها بين أكبر أسواق الاستيراد العالمية، مقتربة من اليابان بإجمالي واردات بلغ 752.6 مليار دولار، فيما بقيت الولايات المتحدة أكبر مستورد في العالم بفارق واسع، بواردات بلغت 3.5 تريليونات دولار. وفسرت البيانات التراجع المحدود في واردات الصين باعتباره مؤشرا على تباطؤ الطلب العالمي، بما يشمل أكبر اقتصادات آسيا، وهو ما يزيد المنافسة على أسواق التصدير العالمية، ويضع الاقتصادات الصاعدة، ومنها تركيا، أمام ضغوط أكبر للحفاظ على حصصها التجارية. تراجع التصنيف العالمي ورغم السياسات الحكومية الهادفة إلى تعزيز الصادرات، فإن الارتفاع المسجل في الصادرات لم ينعكس على تحسين موقع تركيا في خريطة التجارة الدولية. وكان وزير التجارة التركي عمر بولاط قد أعلن، قبل أيام، أن بلاده حققت إنجازا تاريخيا جديدا في إطار رؤيتها للنمو المرتكز على الإنتاج والاستثمار والتوظيف والتصدير، مشيرا إلى أن الصادرات التركية سجلت 2 مليار و428 مليون دولار في يوم واحد، وهو أعلى رقم يومي في تاريخ الجمهورية. وأكد الوزير أن الاقتصاد التركي يواصل تعزيز بنيته الإنتاجية، ويدعم الصادرات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مع التوسع نحو أسواق جديدة وزيادة التأثير العالمي للمنتجات التركية. كما أعلنت وزارة التجارة التركية، بالتعاون مع هيئة الإحصاء، ارتفاع صادرات البلاد بنسبة 22.3% خلال إبريل/نيسان الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى 25 مليارا و408 ملايين دولار، معتبرة أن هذا الأداء يعكس استمرار ديناميكية التصدير رغم التقلبات الاقتصادية العالمية. لكن في المقابل، تكشف بيانات منظمة التجارة العالمية عن تسارع نمو الواردات التركية، وسط توقعات باستمرار هذا الاتجاه خلال العام الجاري. فقد ارتفعت الواردات بنسبة 6.2%، وهو معدل قريب من المتوسط العالمي، مع حفاظ تركيا على موقعها ضمن أكبر 50 دولة مستوردة في العالم. خطط لرفع الصادرات وتدرك أنقرة أن الصادرات والسياحة تمثلان الركيزتين الأساسيتين للنمو الاقتصادي وتشغيل العمالة وتحقيق التوازن في السوق النقدية، وأن أي تراجع في هذين القطاعين ينعكس مباشرة على سعر الصرف ويزيد الضغوط على الشركات المحلية. ولهذا، ركزت الحكومة التركية ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي للأعوام 2026 ـ 2028 على رفع قيمة صادرات السلع والخدمات إلى 400 مليار دولار، مع خطة تستهدف زيادة الصادرات السلعية إلى 300 مليار دولار. وتشمل الخطة رفع مخصصات دعم الصادرات في موازنة 2026 إلى 45 مليار ليرة تركية، مقارنة بـ33 مليار ليرة في العام السابق، بهدف تعزيز القدرة التنافسية للشركات الصغيرة والمتوسطة والصناعيين في الأسواق الدولية. كما خصصت أنقرة 177.2 مليار ليرة لدعم برامج تطوير الصناعة والإنتاج والاستثمار، مع استهداف رفع حصة الصناعات المتوسطة والعالية التقنية إلى 40% من إجمالي صادرات التصنيع خلال العام الجاري. وتتوقع الحكومة أن يدفع هذا الدعم صادرات قطاع التصنيع وحده إلى 266.5 مليار دولار في عام 2026. وتأتي هذه الخطوات بالتوازي مع تحرك دبلوماسي وتجاري يهدف إلى تمكين الشركات التركية من الاستفادة من الصناديق الأوروبية المخصصة لقطاعي الدفاع والأمن، في ظل الرهان التركي على تنامي صادرات الصناعات الدفاعية والطيران، التي تجاوزت 10 مليارات دولار العام الماضي. كما تتحرك أنقرة لتحديث وتوسيع اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأكبر لتركيا، بهدف الحفاظ على حضور المنتجات الصناعية التركية داخل المشاريع الأوروبية، بالتوازي مع توسيع العلاقات الاقتصادية مع أكثر من 200 دولة حول العالم.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows