Arab
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تمر سوق السلاح العالمية بعملية إعادة تشكيل جوهرية. وتجد أوروبا اليوم نفسها أمام مفترق طرق استراتيجي؛ فبعد أن اعتمدت عقوداً على المظلة الدفاعية الأميركية، دفعت التطورات التي تشهدها المنطقة أخيراً، لا سيما حالة عدم اليقين بشأن التوجّهات السياسية في واشنطن، وتزايد الشكوك بشأن استدامة الالتزامات الأميركية تجاه دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قادة الحلف إلى إعادة التفكير في مفهوم الاستقلال الدفاعي.
منذ تولّي الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رئاسته الثانية، انتهج سياسة هجومية تجاه الدول الأوروبية، شملت فرض رسوم جمركية، والتهديد المتكرّر بالانسحاب من حلف الناتو، والمطالبة بزيادة الإنفاق الدفاعي، وتحمّل مسؤولية أمنهم ذاتياً. وقد تصاعد التوتر بين الجانبين على خلفية حرب إيران، إثر رفض الأوروبيين طلب واشنطن باستخدام قواعدهم العسكرية، وتزايد المخاوف من خطط سحب القوات الأميركية من أوروبا. فقد فاجأ ترامب الأوروبيين بخفض القوات في ألمانيا وبولندا؛ استياء منه لما اعتبره تردّداً أوروبياً في دعم عملياته العسكرية في الشرق الأوسط، أو عدم المشاركة في قوة حفظ السلام المقترحة في مضيق هرمز. ومع أن إعلانه اللاحق عن إرسال قوات إضافية إلى بولندا كان بمثابة تراجع عن خطّته السابقة، إلا أنه زاد من حدّة الارتباك داخل أوروبا، وعزّز من النظرة إلى واشنطن حليفاً غير موثوق به. وبالفعل، تفيد المعطيات بأن أوروبا تستعد لمستقبل أقل ارتباطاً بالولايات المتحدة عبر إعادة تسليح سريعة، ومحاولات حثيثة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وزيادة الإنفاق الدفاعي ليبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن ابتعاد أوروبا الواضح عن حرب إيران، والخلاف الدبلوماسي الحاد مع واشنطن بشأن غرينلاند.
تسعى دول كثيرة، في ظل التغيرات الجيوسياسية والتهديدات الأمنية، إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، عبر تنويع مصادرها الدفاعية والعسكرية، خصوصاً مع تزايد حالة عدم الموثوقية بالولايات المتحدة بعد حرب إيران التي أدت إلى استنزاف نصف مخزون الذخائر الأميركية، وتأجيل واشنطن تسليم شحنات أسلحة وأنظمة صاروخية لحلفاء أوروبيين وتايوان، وصواريخ توماهوك لليابان، ونقل أجزاء ومكونات من منظومات الدفاع الجوي والصاروخي من قواعدها في كوريا الجنوبية.
أثبتت أوروبا بدورها (بدافع المصلحة الذاتية) أنها غير موثوق بها أيضاً
ومع الاستقلال التدريجي لأوروبا عن أميركا، ترى دول متوسّطة هذا عاملاً إيجابياً للتقارب مع أوروبا لمواجهة واشنطن المتقلبة، إلا أن هذا التقارب لا يخلو من مخاطر، فقد أثبتت أوروبا بدورها (بدافع المصلحة الذاتية) أنها غير موثوق بها أيضاً.
وتجسّد أزمة ماليزيا والنرويج هذا القلق، إذ قرّرت الأخيرة بشكل مفاجئ إلغاء تراخيص تصدير منظومة الصواريخ الضاربة البحرية NSM والتي كان من المقرّر توريدها لسفن القتال الساحلي الماليزية، قبل أيام من عملية التسليم. وبرّرت أوسلو قرارها بتعزيز الرقابة على التكنولوجيا الدفاعية، وقصر المبيعات الحسّاسة على حلفاء "الناتو" والشركاء المقرّبين فقط، وهو ما أثار غضباً في ماليزيا؛ إذ حذّر مسؤولوها من أن هذا الإجراء يؤدّي إلى تآكل الثقة في الشركات الأوروبية باعتبارهم مورّدين مستدامين للعتاد الدفاعي. وفي غياب الشفافية حول أسباب القرار النرويجي، رأى محللون ماليزيون أن أوسلو تتحرّك وفق منطق "أنا أولاً" لتأمين احتياجات دول "الناتو" في مواجهة التهديد الروسي والتردّد الأميركي.
يشير هذا المثال إلى أنه عندما تتعرّض المصالح الأوروبية للتهديد، قد تفعّل بنود القوة القاهرة وتُلغى العقود، تاركة الشركاء في حالة ضبابية جيوسياسية. ومع هذا، لا ينبغي تعميم هذا الحكم على قطاع الدفاع الأوروبي كاملاً، إذ لا تزال شركات مثل "نافال غروب" الفرنسية، و"تيسنكروب" الألمانية، وعدة شركات بريطانية شريكاً جادّاً وموثوقاً به. وإذا كان الاكتفاء الذاتي في شراء الأسلحة المتقدّمة لا يزال غير واقع لمعظم القوى المتوسطة، فان الحل يكمن في التنويع المستمر والواسع لمصادر الأسلحة.
تبدو المرحلة المقبلة أقل خضوعاً لهيمنة مورّد واحد للسلاح، وأكثر ميلاً إلى تعدّدية دفاعية تعكس تحولات النظام الدولي نفسه
هنا تبرز كوريا الجنوبية قوة عالمية في تصدير السلاح، فقد احتلت المرتبة الرابعة بين أكبر مصدّري الأسلحة عام 2025. وبالعودة إلى أزمة ماليزيا والنرويج، تدرس الحكومة الماليزية إعادة توجيه خطط تسليحها البحري نحو كوريا الجنوبية، وسبق لماليزيا أن وقعت في إبريل/ نيسان الماضي مع كوريا الجنوبية عقداً لتوريد صواريخ K-SAAM ، وتشير خطط ماليزيا للتوجه نحو سيول رغبتها في تنويع مصادر أسلحتها، والاعتماد على التكنولوجيا الكورية التي أثبتت كفاءتها في الأسواق العالمية. ومن الأمثلة على جدارة الأسلحة الكورية الجنوبية نظام الدفاع الجوي "تشيونغونغ -2" الذي حقق نسبة اعتراض 96% ضد الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية التي وجهت إلى الإمارات، كما نجح أخيراً في صدّ طائرات مسيّرة استهدفت محطة براكة النووية الإماراتية. وأدّى هذا النجاح إلى إبداء دول عديدة، منها قطر والكويت وسويسرا، اهتماماً باعتماد هذا النوع من الصواريخ. وتتمتع كوريا الجنوبية بقدرة إنتاجية سريعة، وأسعار تنافسية، ومرونة عالية في نقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك، وهو ما تريده الدول الساعية إلى تعزيز صناعاتها الدفاعية المحلية.
في عالم يتجه نحو مزيد من السيولة الجيوسياسية، لم تعد التحالفات العسكرية والصفقات الدفاعية تُبنى على الثقة طويلة الأمد، بل على حسابات المصلحة والقدرة على الصمود وقت الأزمات. وبين ارتباك المظلة الأميركية وتردّد أوروبا في الالتزام بشراكاتها خارج دائرتها الضيقة، تبرز قوى آسيوية ككوريا الجنوبية، بوصفها مستفيداً استراتيجياً من أزمة الثقة الغربية، لذلك تبدو المرحلة المقبلة أقل خضوعاً لهيمنة مورّد واحد للسلاح، وأكثر ميلاً إلى تعدّدية دفاعية تعكس تحولات النظام الدولي نفسه.

Related News
الكنيست الإسرائيلي يبدأ خطوات حل نفسه الاثنين
aawsat
9 minutes ago