Arab
منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ظلّ سؤال "من يمثّل الشعب الفلسطيني؟" مرتبطاً بميزان القوّة بين الفصائل، وبقدرتها على التعبير عن تطلعات الفلسطينيين في الداخل والشتات. لكنّ الحرب الأخيرة، وما رافقها من تحولات سياسية وعسكرية عميقة، أعادت هذا السؤال إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة، ليس بسبب الصراع مع الاحتلال فقط، بل أيضاً بسبب الأزمة الداخلية التي تعيشها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل مكوناتها.
على مدى عقود، حظيت منظّمة التحرير الفلسطينية بشرعية عربية ودولية باعتبارها "الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني". وقد اكتسبت هذه الشرعية تاريخياً من خلال دورها الكفاحي وقدرتها على جمع التيارات الوطنية المختلفة تحت مظلة واحدة. غير أن التحول الذي بدأ مع اتّفاق أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية غيّر طبيعة المنظّمة ووظيفتها، فبدلاً من أن تبقى إطاراً تحررياً يقود مشروع مقاومة، تحولت تدريجيا إلى بنية بيروقراطية مرتبطة بشبكة من الالتزامات الأمنية والسياسية والاقتصادية الّتي فرضتها علاقتها مع الاحتلال.
لا تكمن المشكلة في تراجع خيار المقاومة داخل المؤسسة الرسمية الفلسطينية فقط، بل في غياب الحياة الديمقراطية وتجديد الشرعيات، فالمجلس الوطني شبه معطل، والانتخابات غائبة منذ سنوات طويلة، في ما يشعر قطاع واسع من الفلسطينيين بأن السلطة باتت تدير الأزمة بدلاً من قيادة مشروع تحرر وطني. ولهذا، فإن شرعية المنظّمة اليوم لم تعد محسومة كما كانت في السابق، حتّى إن بقيت تحظى باعتراف دولي ورسمي.
تكمن الحقيقة الأعمق في أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة فصائل، بل أزمة نموذج سياسي كامل. فكل القوى الفلسطينية القائمة تبدو اليوم عاجزة، بدرجات مختلفة، عن تمثيل الفلسطينيين بوصفهم شعباً موحداً يعيش أوضاعاً شديدة التعقيد
في المقابل، برزت حركة المقاومة الإسلامية حماس بوصفها القوّة الأكثر حضوراً في ميدان المقاومة، إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. وقد استطاعت الحركتان، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة، اكتساب شعبية واسعة نتيجة صمودهما العسكري وقدرتهما على إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي. لكنّ السؤال الأصعب يتمثّل في ما إذا كان هذا الحضور المقاوم كافياً لتحويل حماس إلى بديل وطني شامل يخلف منظمة التحرير؟
تظهر هنا معضلة المشروع السياسي، فرغم تطور حماس البراغماتي خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تستند إلى مرجعية إسلامية تثير قلق بعض المكونات الفلسطينية، خصوصاً لدى التيارات العلمانية، أو قطاعات من المسيحيين الفلسطينيين، والنخب المدنية التي تخشى اختزال الهوية الوطنية في إطار أيديولوجي واحد. كما أن تجربة الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007 تركت جروحاً عميقة في الوعي الجمعي الفلسطيني، وجعلت كثيراً من الفلسطينيين يترددون في منح أي فصيل منفرد حقّ احتكار التمثيل.
أما اليسار الفلسطيني، وعلى رأسه الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فقد بدا خلال العقود الأخيرة وكأنه الخاسر الأكبر. فالقوى اليسارية التي لعبت تاريخياً دوراً مهما في الربط بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية تراجعت تنظيمياً وشعبياً، لأسباب تتعلق بالتحولات الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأخرى تتعلق بأزماتها الداخلية وعجزها عن تجديد خطابها وأدواتها. ومع ذلك، لم يؤدِ غياب اليسار إلى اختفاء الحاجة إليه، فما يزال المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى قوّة وطنية ديمقراطية عابرة للانقسامات الدينية والفصائلية، وقادرة على الجمع بين المقاومة والتحرر الاجتماعي والسياسي.
ربما تكمن الحقيقة الأعمق في أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة فصائل، بل أزمة نموذج سياسي كامل. فكل القوى الفلسطينية القائمة تبدو اليوم عاجزة، بدرجات مختلفة، عن تمثيل الفلسطينيين بوصفهم شعباً موحداً يعيش أوضاعاً شديدة التعقيد بين قطاع غزّة والضفّة الغربية وداخل الخطّ الأخضر والشتات. ولهذا، قد لا يكون البديل القادم مجرد فصيل جديد، بل حالة وطنية جديدة تولد من رحم الكارثة نفسها، ومن التحولات التي فرضتها الحرب والمقاومة والانهيار الإقليمي.
تظهر هنا معضلة المشروع السياسي، فرغم تطور حماس البراغماتي خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تستند إلى مرجعية إسلامية تثير قلق بعض المكونات الفلسطينية
لا يتمثّل أخطر ما تواجهه القضية الفلسطينية اليوم في العدوان الإسرائيلي أو حالة التواطؤ الدولي فقط، بل في اتساع الفجوة بين البنى السياسية التقليدية والشارع الفلسطيني الذي يعيش تحولات عميقة في وعيه وأولوياته. فجيل الشباب الذي نشأ وسط الحصار والحروب والانقسام لم يعد ينظر إلى الفصائل بعين القداسة التاريخية نفسها، بل بات يقيس شرعية أي قوّة بمدى قدرتها على حماية الناس والدفاع عن كرامتهم الوطنية والاجتماعية. ومن هنا، قد يحمل المستقبل ولادة تيارات أو أطر شعبية جديدة تتجاوز الانقسامات التقليدية بين "السلطة" والاتجاهات الإسلامية والوطنية واليسارية، لتعيد بناء المشروع الفلسطيني على أساس المشاركة الشعبية والوحدة الميدانية والديمقراطية الداخلية.
يثبت التاريخ الفلسطيني أن الشعب غالباً ما يسبق قياداته، وأن لحظات الانكسار الكبرى كانت دائماً مقدمة لولادة أشكال جديدة من التنظيم والوعي. وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: أي فصيل سيقود الفلسطينيين؟ بل: كيف يمكن للفلسطينيين أن يعيدوا إنتاج حركة تحرر وطنية تعبر عنهم جميعاً، من دون احتكار أو إقصاء أو ارتهان لأي جهة كانت؟

Related News
الكنيست الإسرائيلي يبدأ خطوات حل نفسه الاثنين
aawsat
9 minutes ago