تشديد أوروبي على ترحيل المدانين… جدل حقوقي في ستراسبورغ
Arab
1 hour ago
share
تبنّت الدول الـ46 الأعضاء في مجلس أوروبا، اليوم الجمعة، إعلاناً وزارياً مشتركاً يدعو إلى تسهيل ترحيل الأجانب المدانين بجرائم، في خطوة تعكس تحوّلاً أوروبياً متزايداً نحو تشديد سياسات الهجرة والأمن، وتفتح في الوقت نفسه مواجهة سياسية وقانونية غير مباشرة مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. الإعلان، الذي أُقرّ في العاصمة المولدوفية كيشيناو، يُعدّ من أقوى المواقف الأوروبية المشتركة بشأن الهجرة والترحيل منذ سنوات، ويطالب بمنح الحكومات الوطنية هامشاً أوسع لاتخاذ قرارات ترحيل الأجانب المدانين، بعيداً عن القيود التي فرضتها أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا سابقة. وتقود الدنمارك هذا التوجه منذ أشهر، بدعم من إيطاليا وعدد متزايد من الحكومات الأوروبية، التي ترى أن المحكمة الأوروبية بالغت في توسيع تفسير الحقوق الفردية، بما يعرقل ترحيل أشخاص أدينوا بجرائم خطيرة. المادة الثامنة في قلب المعركة يركّز الإعلان بصورة خاصة على المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، المتعلقة بحق احترام الحياة الخاصة والعائلية، وهي المادة التي استندت إليها المحكمة الأوروبية مراراً لمنع ترحيل أجانب مدانين، بحجة ارتباطهم العائلي أو الاجتماعي بالدول الأوروبية التي يقيمون فيها. وترى حكومات أوروبية أن تفسير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان خلق توتراً بين حماية الحقوق الفردية وحق الدول في ضمان الأمن العام. لذلك يدعو إعلان كيشيناو إلى "إيجاد التوازن الأمثل" بين حقوق الأفراد و"المصالح العامة العليا" المرتبطة بالأمن والاستقرار، وهو توجه أيّده وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكا راسموسن في تصريحات للتلفزيون الدنماركي اليوم الجمعة. ويحمل مصطلح "المصالح العليا" دلالة سياسية وقانونية تعكس محاولة لإعادة ترجيح كفة الأمن والسيادة الوطنية في قضايا الترحيل، بعد سنوات من تغليب المقاربة الحقوقية داخل المحكمة الأوروبية. ويرى المحامي والباحث الدنماركي المتخصص في الهجرة واللجوء، هليا راتس، أن ما يجري يمثل "محاولة صريحة لتقويض عمل المحكمة الأوروبية"، معتبراً أن النقاش يتجاوز المدانين بجرائم ليشمل توسيعاً لتقييد الحماية التي توفرها المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وشدد راتس في تصريح لـ"العربي الجديد" على أن "الضغط الذي مارسته الدنمارك وإيطاليا يعد استجابة لضغوط يمينية وشعبوية، وأخشى أن يتحول البيان إلى سابقة تتجاوز الحديث عن مدانين، ما يخلق صداماً مع المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان". وبرزت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن، إلى جانب نظيرتها الإيطالية جيورجيا ميلوني، بوصفهما أبرز الداعمين لهذا المسار، بعد مبادرة قادتاها العام الماضي للحد من تدخل المحكمة الأوروبية في قضايا الهجرة. ومع توسع الدعم من تسع إلى سبع وعشرين دولة، انتهى المسار بإقرار إعلان كيشيناو بالإجماع بين أعضاء مجلس أوروبا، في مؤشر على تحول أوروبي أوسع نحو تشديد سياسات الترحيل تحت ضغط صعود اليمين الشعبوي والاعتبارات الأمنية. ويستند هذا التوجه إلى قضايا أثارت جدلاً داخل الرأي العام، تتعلق بأجانب مدانين بجرائم خطيرة لم يُرحَّلوا بسبب اعتبارات حقوقية تتصل بالحياة العائلية أو مخاطر المعاملة في بلدانهم. وفي الدنمارك تحديداً، تحولت هذه الملفات إلى قضية سياسية بارزة بعد حالات منع فيها الترحيل رغم صدور أحكام بالسجن. وترى حكومات داعمة للإعلان أن استمرار هذا الوضع يضعف ثقة المواطنين بالنظام القانوني الأوروبي، ويغذي الخطاب الشعبوي المناهض للمؤسسات الأوروبية. لذلك يؤكد الإعلان أيضاً مبدأ "التبعية"، الذي يمنح السلطات الوطنية أولوية أكبر في قرارات الترحيل بدلاً من إسناد القرار النهائي إلى المحكمة الأوروبية في ستراسبورغ. هل يتغير موقف المحكمة الأوروبية؟ رغم أهمية الإعلان، هو لا يغيّر نص الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما أن المحكمة الأوروبية تبقى مستقلة قانونياً. لكن كثيراً من الحكومات الأوروبية تراهن على أن الإجماع غير المسبوق سيؤثر تدريجياً على توجهات المحكمة وأحكامها المستقبلية، خصوصاً في قضايا الترحيل المرتبطة بالأمن والجريمة. ويأمل مسؤولون وسياسيون دنماركيون من يمين ويسار الوسط أن تفضي المرحلة المقبلة إلى "سوابق قضائية جديدة" تمنح الدول الأوروبية مرونة أكبر في ترحيل الأجانب المدانين. أوروبا بين الأمن والحقوق يعكس إعلان كيشيناو تحوّلاً متسارعاً داخل أوروبا، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والسيادة الوطنية على المقاربة الحقوقية التقليدية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية. وبينما ترى الحكومات الداعمة للإعلان أن التشدد ضروري لحماية الاستقرار الداخلي واستعادة ثقة المواطنين، تحذر منظمات حقوقية من أن هذا المسار قد يضعف الضمانات القانونية ويُسيّس قضايا الهجرة وحقوق الإنسان. وتأتي هذه التحولات في ظل ضغوط متزايدة على أنظمة اللجوء والهجرة الأوروبية. فبحسب بيانات "يوروستات" والوكالة الأوروبية للجوء لعام 2025، جرى تصنيف نحو 719 ألف شخص بوصفهم مقيمين بشكل غير قانوني داخل الاتحاد الأوروبي، فيما تلقى قرابة 492 ألفاً أوامر بمغادرة أراضيه، لكن لم يُرحَّل فعلياً سوى نحو 135 ألف شخص فقط. كما استقبل الاتحاد الأوروبي نحو 913 ألف طلب لجوء أولي خلال 2024، قبل أن تنخفض الأعداد في النصف الأول من 2025 إلى نحو 399 ألف طلب. وفي ملف الأجانب المدانين بجرائم، لا توجد إحصائية أوروبية موحدة، إلا أن بيانات الترحيل تُظهر أن جزءاً مهماً من قرارات الإبعاد يرتبط بمخالفات وجرائم جنائية. كما أظهرت أرقام وزارة الهجرة والاندماج في الدنمارك، أن السلطات نفّذت خلال عام 2025 نحو 2597 عملية ترحيل، بينها 1080 حالة مرتبطة بإدانات جنائية أو جرائم. وينتظر نحو 1200 مدان الإبعاد، حيث يجري تجميعهم في مراكز ترحيل. أما الإصلاح الذي تعمل عليه الحكومة الدنماركية حالياً، فيهدف إلى توسيع صلاحيات الترحيل بحيث يشمل الأجانب المدانين بجرائم خطيرة والمحكوم عليهم بالسجن لمدة سنة أو أكثر، حتى لو كانت لديهم روابط عائلية أو إقامة طويلة داخل الدنمارك. لكن عدد الأشخاص المتوقع أن تشملهم القواعد الجديدة لم يُعلن رسمياً بعد. وترى حكومات أوروبية، تقودها الدنمارك وإيطاليا، أن المشكلة لا تكمن فقط في إصدار قرارات الترحيل، بل في ضعف تنفيذها، بسبب الطعون القضائية ورفض بعض دول المنشأ استقبال مواطنيها، إضافة إلى القيود المرتبطة بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. لذلك، لم يعد الجدل الأوروبي يدور فقط حول الهجرة، بل حول حدود سلطة المحاكم الأوروبية ومستقبل العلاقة بين السيادة الوطنية ومنظومة حقوق الإنسان نفسها، في وقت تتجه فيه القارة نحو سياسات أكثر تشدداً تحت ضغط الأمن والشعبوية وصعود اليمين.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows