Arab
أخضع الاستعمار الإسباني منذ بدايات القرن السادس عشر شعوب المكسيك الأصلية من خلال فرض أنظمة قاسية، حيث انتُزعت الأراضي من أصحابها، وارتكبت سلسلة من المجازر وجرائم الإبادة في عملية إحلال ديني وثقافي استمرت ثلاثة قرون، وواجه الإسبان الانتفاضات بعنف شديد، ما جعل الذاكرة الشعبية تحتفظ بسيَر قادة تمرّدوا وإن انتهت حركاتهم بالهزيمة.
واحد من أبرز النصوص التي تستلهم سيرة أحد هؤلاء القادة، ألّفه الكاتب والأكاديمي المكسيكي إرميلو أبريو غوميث عام 1940، وتصدر نسختها العربية بعنوان "كانيك: أسطورة بطل من المايا" (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2026، ترجمة محمد جمعة توفيق). وُلد المؤلف سنة 1894 في شبه جزيرة يوكاتان بالمكسيك، وهي المنطقة نفسها التي شهدت أحداث تمرد كانيك.
يتناول الكتاب شخصية خاثينتو كانيك الذي تشير المصادر التاريخية إلى أنه كان شاباً متعلماً نسبياً مقارنة بأبناء مجتمعه، وتلقى تعليماً دينياً على يد الرهبان، كما تعلّم القراءة والكتابة وبعض تعاليم الكنيسة، وهو ما أتاح له الاطلاع على عالم مختلف عن بيئته. غير أن هذا التعليم نفسه جعله أكثر وعياً بحجم التفاوت والظلم الذي يعيشه شعبه تحت الاستعمار، حيث كان السكان الأصليون يُعاملون بوصفهم طبقة أدنى، ويُفرض عليهم العمل القسري والضرائب المرتفعة جداً.
تصاغ سيرته في مقاطع قصيرة أقرب إلى الحكايات أو الأمثال
في عام 1761، قاد كانيك تمرداً في بلدته سيستيل في يوكاتان، داعياً إلى استعادة الأرض والكرامة. التف حوله عدد من أبناء المايا، ونجحوا في السيطرة على البلدة لفترة قصيرة، قبل أن تتدخل القوات الإسبانية وتُخمد التمرد بعنف. أُلقي القبض على كانيك، وتعرض لتعذيب قاسٍ، ثم أُعدم علانية، في محاولة لردع أي تمرد مشابه.
ينطلق الكتاب من هذه الحكاية التاريخية، لكنه لا يقدّمها في شكل سيرة تقليدية، بل يعيد صياغتها في هيئة مقاطع قصيرة أقرب إلى الحكايات أو الأمثال. كل مقطع يبدو جزءاً من رواية شفوية، تُنقل من جيل إلى جيل، وتحمل في طياتها صوراً من الحياة اليومية، والطبيعة، والمعتقدات المرتبطة بثقافة المايا.
في أحد هذه المقاطع، يرد القول: "نحن الأرض، وهم الريح. فينا تنضج البذور وفيهم تجف الأغصان. نحن نغذي الجذور، وهم يغذون الأوراق.. نحن الأرض وهم الريح". يعكس هذا المقطع طبيعة اللغة التي يعتمدها الكتاب، حيث تُروى الحكاية عبر صور رمزية بسيطة وفقرات قصيرة كأنها مجموعة من الحكايات المنفصلة. ومن خلال هذا السرد نستطيع التعرف على الفروق الجوهرية بين السكان الأصليين والمستعمرين، واختلافهم في طريقة العيش والنظر إلى العالم.
يضم الكتاب مقاطع أخرى قصيرة ترسم ملامح شخصية كانيك، وتقدمه أحياناً بوصفه قائداً، وأحياناً أخرى بوصفه صوتاً يحذر أو يعلّق على ما يجري حوله. في إحدى الحكايات، يتدخل كانيك لينبه بعض الرجال البيض إلى استهانتهم بمعتقدات السكان الأصليين، لكنهم يسخرون منه، فتنقلب الأمور عليهم في نهاية دامية.
إلى جانب النص يفرد الكتاب مساحة للهوامش التي تشرح بعض الكلمات والمفاهيم المرتبطة بثقافة المايا، سواء كانت أسماء أماكن أم طقوساً أم رموزاً دينية. وتساعد هذه الهوامش القارئ على فهم الخلفية الثقافية للنص، خاصة أن كثيراً من مفرداته يعود إلى لغة ومخيال بعيدين عن السياق العربي.
ينتمي هذا العمل الذي ترجم قبل سبعينيات القرن الماضي إلى الإنكليزية والفرنسية والألمانية والروسية وغيرها، إلى نوع من الكتابة التي تمزج بين الأدب والتاريخ، حيث يستعيد الكاتب شخصية حقيقية، لكنه يقدّمها في إطار أقرب إلى الأسطورة. يظهر كانيك هنا حكاية تُروى، وتُعاد صياغتها، وتكتسب معاني جديدة مع مرور الوقت، تبعاً لمن يرويها وللسياق الذي تُستعاد فيه.

Related News
أسواق الأضاحي في تونس بلا ضوابط... ندرة وغلاء
alaraby ALjadeed
41 minutes ago