Arab
قبل أسابيع قليلة من عيد الأضحى، تتحول أسواق الماشية في تونس إلى فضاءات للقلق أكثر من كونها موسماً للفرح، نتيجة الغلاء القياسي لأسعار الأضاحي وغياب ضوابط واضحة لتحديد الأسعار التي يملك الوسطاء وحدهم قرار التحكم فيها.
يومياً، يتجول آلاف التونسيين في أسواق الأضاحي وبين الحظائر بحثاً عن أضحية بأسعار تناسب دخولهم، لكن الصدمة تتكرر مع كل جولة، إذ تجاوزت أسعار الخراف متوسطة الحجم هذا الموسم ألفي دينار (نحو 650 دولاراً)، بينما بلغت أسعار بعض الأضاحي الكبيرة ثلاثة آلاف دينار، في بلد لا يتجاوز فيه الأجر الأدنى المضمون 611 ديناراً (210 دولارات).
ويقول موظف في الخمسين من عمره، عبد القادر بن حسين، لـ"العربي الجديد"، إن "شراء الأضحية أصبح يشبه شراء سيارة صغيرة"، مضيفاً: "كنت أقتني خروفاً كل عام دون تفكير كبير، أما الآن فأحتاج إلى ادخار أشهر أو الاقتراض حتى أتمكن من إحياء العيد". ويؤكد أن عائلات كثيرة في محيطه بدأت تناقش فكرة التخلي عن الأضحية أو الاشتراك في خروف واحد بين أكثر من أسرة، بسبب الغلاء المتصاعد.
وتكتسي مناسبة عيد الأضحى أهمية خاصة داخل المجتمع التونسي، إذ تتجاوز بعدها الديني لتتحول إلى طقس اجتماعي وعائلي جامع، تحرص خلاله الأسر على اقتناء الأضحية مهما كانت الظروف الاقتصادية، باعتبارها رمزاً للتكافل والاحتفال والتقاليد المتوارثة. لكن هذا الموسم يبدو مختلفاً بسبب تزامن عدة عوامل دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، أبرزها تراجع أعداد القطيع وارتفاع تكاليف الإنتاج وتدهور القدرة الشرائية.
وتشير بيانات رسمية صادرة عن معهد الإحصاء الحكومي إلى تراجع حجم القطيع في تونس خلال السنوات الأخيرة، متأثراً بموجات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتزايد ذبح الإناث، وهي عوامل دفعت عدداً كبيراً من المربين إلى تقليص نشاطهم أو مغادرة القطاع نهائياً. ووفق البيانات ذاتها، تراجع عدد رؤوس الأغنام من 6.8 ملايين رأس عام 2014 إلى 4.6 ملايين رأس سنة 2022. كما تشير أرقام المرصد الوطني للفلاحة (حكومي) إلى أن معدل التطور السنوي لإنتاج اللحوم الحمراء خلال الفترة بين 2010 و2020 لم يتجاوز 0.13%.
وحسب تقديرات مهنيين في قطاع تربية الماشية، فقد ازداد تراجع عدد رؤوس الأغنام في تونس بمئات آلاف الرؤوس خلال السنوات الثلاث الماضية، فيما تأثرت الولادات بشكل واضح بسبب نقص المراعي وارتفاع كلفة التربية.
ويقول المربي علي السالمي، من محافظة جندوبة (شمال غربي تونس)، إن كلفة تربية الخروف تضاعفت تقريباً خلال الأعوام الأخيرة، موضحاً أن أسعار الأعلاف أصبحت تستنزف المربين، إلى جانب تكاليف النقل والتلقيح والأدوية.
ويضيف في تصريح لـ"العربي الجديد": "كُثر من المربين باعوا إناث الأغنام بسبب الخسائر، وهذا أثر مباشرة على حجم القطيع وعلى العرض في الأسواق"، مؤكداً أن ندرة السلع يقابلها ارتفاع آلي في الأسعار. وأشار، في سياق متصل، إلى أن السوق تفتقد تنوع العرض من حيث الأحجام والسلالات والأسعار، لافتاً إلى أن القاسم المشترك الوحيد بين الأسواق هو غلاء الأسعار.
ومع تصاعد المخاوف من نقص الأضاحي، أعلنت السلطات التونسية نيتها توريد نحو ثلاثة آلاف رأس غنم من الخارج بهدف دعم العرض والحد من ارتفاع الأسعار. وتعتبر الحكومة أن التوريد قد يساعد على تهدئة السوق ومنع مزيد من المضاربة، لكن كثيرين يشككون في قدرة هذا العدد المحدود على التأثير الفعلي في الأسعار، بالنظر إلى حجم الطلب الكبير خلال موسم العيد.
ولا تقتصر تداعيات أزمة الأضاحي على موسم العيد فقط، بل تمتد أيضاً إلى سوق اللحوم الحمراء التي تشهد ارتفاعاً مستمراً في الأسعار بسبب نقص القطيع وارتفاع تكاليف الإنتاج. وقد تجاوز سعر كيلوغرام لحم الضأن 70 ديناراً (23 دولاراً)، وسط توقعات بأن يصل إلى 80 ديناراً قبل عيد الأضحى بأيام، مدفوعاً بإقبال المواطنين على شراء كميات محدودة من اللحوم بدلاً من الأضاحي.
ويقول قصاب (جزار) بمنطقة المنار في العاصمة تونس، أيمن التميمي، إن "أغلب القصابين يواجهون صعوبة في توفير المواشي"، مؤكداً أن ذبح أعداد كبيرة من الخراف خلال عيد الأضحى، في ظل تراجع القطيع، قد يزيد الضغوط على سوق اللحوم في الأشهر المقبلة، ما ينذر بموجة غلاء جديدة.
وأضاف، في تصريح لـ"العربي الجديد": "ندرك جيداً أن أسعار اللحوم تتجاوز بكثير قدرة التونسيين على الإنفاق، غير أن السوق تخضع لقانون العرض والطلب".
وتبين دراسة أجراها المعهد التونسي للقدرة التنافسية والاقتصاد الكمي عام 2022 أن احتياجات التونسيين من أضاحي العيد تبلغ 900 ألف خروف، وأن العرض عادة ما يتفوق على الطلب، ما يسبب فائضاً هيكلياً في الإنتاج، غير أن فائض الإنتاج لا يؤثر بشكل ملموس على أسعار الأضاحي. لكن بوادر غلاء الأضاحي ونقص المعروض ظهرت منذ عام 2023، حيث سجلت السوق تراجعاً في معروض أضاحي العيد بنحو 400 ألف رأس نتيجة تأثيرات الجفاف على كلفة الإنتاج الحيواني عموماً.

Related News
إنذار وغارات إسرائيلية على جنوب لبنان
aawsat
15 minutes ago