Arab
رحلة فنية طويلة ومشوار سينمائي وتلفزيوني ومسرحي امتد إلى ما يقرب من سبعين عاماً، أمضاها الممثل عبد الرحمن أبو زهرة (1934 - 2026) بين خشبة المسرح وعدسات السينما وكاميرات الدراما، حتى رحل مساء أمس، بعد أزمة صحية شديدة أنهكت جسده في أيامه الأخيرة. فقد تعرض لأزمة تنفس حادة صاحبها نقص كبير في الأكسجين، ليفارق الحياة داخل غرفة العناية المركزة في أحد مستشفيات القاهرة.
رغم أن عبد الرحمن أبو زهرة اشتهر بتقديم الأدوار الجادة والشخصيات المركبة ذات الطابع القوي، إلا أنه كان محبّاً للكوميديا، وكان يرى أن خفة الظل جزء أصيل من شخصيته الإنسانية، قبل أن تكون جزءاً من أدائه الفني. وقد أرجع ذلك في أكثر من لقاء تلفزيوني إلى والدته، التي تحدث عنها بحب شديد، مؤكداً أنها صاحبة الفضل الأكبر في تكوين شخصيته الإنسانية والفنية.
عاش الممثل الراحل طفولة مختلفة تماماً عن كثير من أبناء جيله. كان طفلاً هادئاً وخجولاً، ولم يكن يشغل حياته سوى الدراسة والتفوق العلمي. وكان شديد التميز في مادة اللغة العربية، وهو أمر طبيعي نظراً إلى أن والده كان مدرساً لهذه المادة، وقد نجح في غرس حب اللغة العربية بداخله.
بسبب طبيعة عمل والده، اضطرت الأسرة إلى مغادرة محافظة دمياط، مسقط رأسه، والانتقال للإقامة في القاهرة، وهناك بدأت تتشكل ملامح حياته الجديدة. كان أبو زهرة في تلك المرحلة تلميذاً في المدرسة الابتدائية، بينما كان زملاؤه ينضمون إلى الفرق الرياضية أو المسرحية، لكنه لم يكن يفكر إلا في الدراسة والنجاح. بل إنه لم يحلم يوماً بأن يصبح ممثلاً، وإنما كان يتمنى أن يسير على خطى والده ويصبح مدرساً للغة العربية.
ورغم أنه لم يكن يملك أي طموح تجاه التمثيل، فإن القدر قاده إليه بطريقة غير متوقعة. فقد لاحظ أحد أساتذته في المدرسة موهبته في تقليد المدرسين، فأصر على ضمه إلى فريق التمثيل المدرسي.
وفي البداية، رفض عبد الرحمن أبو زهرة الفكرة تماماً بسبب خجله الشديد، لكن الأستاذ ظل يحاول إقناعه حتى وافق في النهاية. وبعد مشاركته في إحدى مسابقات التمثيل المدرسية، فاز بالميدالية الذهبية متفوقاً على جميع المشاركين، ومن هنا بدأت أولى خطوات رحلته الفنية.
مع مرور الوقت، بدأ شغفه بالفن يكبر تدريجياً، خاصة مع التشجيع المستمر الذي كان يتلقاه من أصدقائه والمحيطين به، فقرر الالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية. وكانت لجنة الاختبارات في ذلك الوقت تضم مجموعة من أهم أسماء الفن المصري، منهم زكي طليمات، وعبد الرحيم الزرقاني، وجورج أبيض، والمخرج نبيل الألفي. وقد أُعجبوا جميعاً بموهبته.
التحق عبد الرحمن أبو زهرة بالمعهد من دون علم أسرته، خاصة أن شقيقيه كانا يتكفلان بالإنفاق عليه بعد وفاة والداه، ولذلك ظل يخفي عنهم أمر دراسته للفنون المسرحية حتى تخرجه. وكانت بدايته الحقيقية على خشبة المسرح من خلال مسرحية "عودة الشباب" للكاتب توفيق الحكيم، ثم قدم بعد ذلك عدداً كبيراً من المسرحيات المهمة، مثل "ياسين وبهية"، و"الحسين ثائراً".
ورغم أن الجمهور ارتبط به بشدة من خلال شخصية إبراهيم سردينة في مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي"، مع الفنان الراحل نور الشريف، فإن عبد الرحمن أبو زهرة نفسه كان يرى أن الشخصية الأقرب إلى قلبه هي شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، التي قدمها في مسلسل "عمر بن عبد العزيز"، لما تحمله من تعقيد نفسي وثقل تاريخي وتحد تمثيلي كبير.
تعلق به جيل كامل بسبب أدائه الصوتي لشخصية سكار في "الأسد الملك"
قدم العديد من الشخصيات التي أصبحت علامات بارزة في مشواره الفني، مثل شخصية عطية المواردي في مسلسل "نحن لا نزرع الشوك"، إضافة إلى تجسيده لشخصية الرئيس محمد نجيب في فيلم "ناصر 56"، وهو الدور الذي أثبت من خلاله قدرته على تجسيد الشخصيات التاريخية والسياسية.
أما في السينما، فقد تألق عبد الرحمن أبو زهرة في عدد كبير من الأفلام المهمة التي تنوعت بين الدراما الاجتماعية والسياسية والكوميديا، ومن أبرزها أفلام "أرض الخوف"، و"بئر الحرمان"، و"النوم في العسل"، و"الحقيقة اسمها سالم"، و"بخيت وعديلة".
ورغم موهبته الكبيرة ومصداقيته العالية في الأداء، فإن عبد الرحمن أبو زهرة لم يحصل كثيراً على أدوار البطولة المطلقة، وكان يرى أن الحظ لم ينصفه في هذا الجانب، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يعتبر مسألة البطولة أو ترتيب الأسماء أمراً مهماً، بل كان يؤمن أن قيمة الفنان تكمن في تأثير الشخصية التي يقدمها، ومدى بقائها في ذاكرة الجمهور.
في السنوات الأخيرة من حياته، عبّر أكثر من مرة عن حزنه بسبب قلة الأعمال التي تعرض عليه، حتى إنه قال في أحد تصريحاته الشهيرة: "اعتبروني وجه جديد"، وهو التصريح الذي أثار غضب جمهوره، الذين رأوا أن تجاهل فنان بقيمته وتاريخه يمثل خللاً كبيراً في صناعة الفن في مصر. كما أعرب عن رغبته في تقديم بطولة كوميدية جديدة، مؤكداً رفضه للعديد من الأدوار الصغيرة أو الشرفية.
بعد فترة من الغياب، عاد أبو زهرة عام 2021 للمشاركة في عدد من الأعمال الدرامية، وإن كانت بأدوار محدودة، فشارك في مسلسل "هجمة مرتدة" إلى جانب أحمد عز وهند صبري، كما شارك في الجزء الأول من مسلسل "موضوع عائلي"، وكذلك مسلسل "ستات بيت المعادي". بعد هذه الأعمال بعامين، أعلن نجله أحمد أبو زهرة اعتزال والده الفن عام 2023.
كان لعبد الرحمن أبو زهرة حضور خاص لدى الأطفال أيضاً، ولكن هذه المرة من خلال صوته، إذ تعلق به جيل كامل بسبب أدائه الصوتي المميز لشخصية سكار في النسخة العربية من فيلم الرسوم المتحركة "الأسد الملك"، وكذلك شخصية جعفر في فيلم "علاء الدين".
وقد كشف في أحد اللقاءات أن أجره عن أداء صوت سكار بلغ ألفي دولار فقط، رغم النجاح الهائل الذي حققه العمل. وقد حققت النسختان العربيتان نجاحاً استثنائياً.
عائلياً، عاش عبد الرحمن أبو زهرة حياة أسرية هادئة ومستقرة. فقد تزوج مرة واحدة فقط من الكاتبة والمؤلفة سلوى الرافعي، وأنجبا ثلاثة أبناء هم مي وسحر وأحمد. ورحلت زوجته في عام 2019.
