"عبور شائك" لباسمة التكروري.. حرب كلّ يوم
Arab
1 hour ago
share
"عبور شائك" (دار مرفأ، 2025) رواية الكاتبة الفلسطينية باسمة التكروري في طبعتها الثانية، قد تكون من بين الأعمال القليلة التي تتناول فلسطينيين باقين على أرضهم في ظلّ دولة إسرائيل. نحن هكذا في حيّ الزنار الذي هو فاصل بين باب العمود وسلوان الحيّين اللذين يكاد أولهما أن يكون، بحسب الرواية، من القدس. لكن لحيّ الزنار خصوصية، هي أنه في تسمية أُخرى حي النَّوَر.  هذه التسمية ليست عبثاً، فالنَّوَر يعيشون في الحيّ، ويفرضون على السياح إتاوة، ومن لا يدفع يسلخوا وجهه. ثم إن بين النَّوَر وأهل الحيّ صلات معقدة مديدة، فقد قتل النَّوَر أخوي الرجل الذي أقام علاقة مع أختهم، وجعلها تنجب جدّة "الرسن"، المرأة المهيمنة على الحيّ. نحن في هذا الحيّ الهجين مع ثلاثة من أهله، زياد ومنار وشذى، والثلاثة يخرجون منه هذا اليوم. كلّ لسبب يخصّه، زياد لتسلُّم جثّة والده المدمن الذي لا يحبّه ويخجل به، ومنار للقاء زوجها السجين وشذى لسبب آخر. ليلتها كان زياد مشاركاً في سهرة سُكر حافلة، لم يكن هذا دأبه، فهو مستقيم أو مهتم بأن يعرفه الناس، وبخاصة عائلته، كذلك.  كان ثملاً حين اتصلوا به ليبلغوه موت والده، لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالجواب، فلم يتلقّ الرسالة ولم يصل إليه النبأ في حينه. هو الآن يُشفق من أن تعلم أُمّه "الرسن"، ويعلم الناس بما كان من أمره. لكنه على الحاجز ينتبه الى أنه نسي أوراقه فينال من جنود الحاجز لكمات وصفعات، الفلسطينيون معرّضون دائماً لها كما نفهم من الرواية، التي لا نصادف فيها يهوداً إسرائيليين إلا على الحواجز. زياد شخص عادي وقصته عادية، بما في ذلك حرصُه على سيرته بين الناس. غير العادي في هذه القصة هو ما يتعرّض له على الحاجز من إذلال ليس في حسابه، هو الحريص على سمعته. لنقل إنه عادي، لكنّه محاط بجو غير عادي. ستكون منار التي خرجت إلى ملاقاة زوجها السجين في الغالب لسبب سياسي، مع ذلك فهي تُذعن لحَماتها، خالتها، التي لا تريد أن تبقى مع ولديهما وأحدهما مريض. لمنار قصتها أيضاً قبل الزواج، فقد أبَت الزواج من ابن عمها فطردتها العائلة حين آثرت الزواج من ابن خالتها، التي استقبلتها في بيتها. لكن الخالة، شأنها شأن كلّ حماة ذلك الحين، تحاصرها هي وولديها اللذين تصحبهما الآن، وأحدهما تغلي حرارته، وليس لها إلا الصبر على مرضه وشقاوة أخيه. هي الأُخرى امرأة عادية، أمّ وربّة بيت، أمّا سجن زوجها فهو لدى الفلسطينيين أمر عادي أيضاً، بل هو من يومياتهم، مع ذلك يثقل على منار ويحزنها. أما شذى الآتية من الريف، فهي فتاة عادية أيضاً، ومن يربكها هو ذلك المتحرش الذي يطاردها، وغدٌ لا سبيل لها إلى الخلاص منه، إلا بتدخّل شابّ مع رفيقيه. شابّ كانت قد التقت به عرضاً من قبل، وانصرف عنها ليراشق الجنود بالحجارة ويتلقى منهم رصاصة تُرديه. تبرز المفارقة بين العادي والمأساوي وحيث القمع روتين يومي الثلاثة يلتقون على الحاجز، وكان سبق لهم أن اجتمعوا في طفولتهم بالحيّ، ولعبوا معاً وتشاجروا. إنها الآن فرصتهم ليستعيدوا ذكرياتهم الجامعة، وها هم الآن يرجعون إليها، تلك الليلة في عيد المساخر، حين حسد زياد منار على وجودها القريب من الصخرة، لكن شادي يرميه في القمامة، ما أغاظ أمّه "الرسن" المخيفة وجعلها تدهم بيته وبيت أخته منار التي فرّت من أمامها. ستكون هذه الذكرى فاتحة لذكريات أكثر عنفاً وصخباً، كتلك الذكرى لمحاولة الأولاد إيقاظ أبي سعيد الذي ينام نهاراً بالصراخ والغناء. ثم هناك محاولتهم إحباط سعي اليهود لتنظيف المكبّ من القمامة. إذ جمعوا القمامة من المنطقة كلها وأعادوا إلقاءها فيها. حوادث ضاحكة صاخبة كانوا يستذكرونها على الحاجز، في الوقت الذي كان فيه زياد لا يستعد فقط لتسلم جثة أبيه، بل يتفاجأ حين يجد تحت عينه جثة الشهيد الذي فارق الحياة أمامه، جثة عمّه الذي أردته الرصاصة. في وقت واحد كانت هناك حفلة اللقاء والسَّمَر هذه، بجوار الجثث التي كانت إحداها لعمّ زياد ومنار ولوالد زياد. كان العادي بجوار غير العادي، العادي جانب المأساوي، وكلاهما يندرجان في ذات الوقت وذات الظرف. إنها الحياة، التي من فرط عاديتها، تحوّل القتل والإهانة إلى أمور من صلبها، الحياة العادية في مأساويّتها وفي جنونها وفي شططها. الفلسطيني وهو يعيش تحت الاحتلال والعسف، من دون أن يخسر شيئاً من يومياته وتراثه وأعرافه. رواية باسمة التكروري تلك المزاوجة بين الجانبين، بل هي في تحويل العسف والنضال والعصبية إلى هامش.  فنحن لا نلتقي هنا الاغتيال والمواجهة إلا في أطراف الرواية، وفي غضونها ونهاياتها. النَّوَر غير مسالمين والتقليد العائلي والشقاق العائلي والعنف الزوجي، ذلك كلّه ما ينتهي بالرواية، في فصلها الأخير، وقد اجتمع أهلها يتبادلون الذكريات، إلى وقفة استرجاع ومحاكمة، يعود فيها الثلاثة، ليروا مبلغاً في حياتهم اليومية من فداحة وظلم وقسوة. منار ترى ما تعتبره عفناً. إنها مراجعة ختامية، لكنها بعد أن انفتح الحاجز للجميع، لا تبدو أكثر من لحظة. انفتاح الحاجز ليس إلا إلى يومياتهم وعادياتهم، إلى ما أحسّته منار وغيرها عفناً. * شاعر وروائي من لبنان

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows