Arab
في المجموعة القصصية التي يقدّمها الكاتب الزميل حسام أبو حامد، يلحظ القارئ منذ البداية أن الكاتب لا يعتمد على لغة بلاغية كثيفة في كتابة القصة القصيرة، ولا على حبكات ثقيلة ومعقدة. يؤسس أبو حامد القصص لتأتي بسيطة وواضحة، لا تحتاج إلى الكثير من التعقيد في التفاصيل السردية، لكن؛ مقابل ذلك كله يشتغل بشكل واضح على بناء مناخ عام، يبدأ حتى من العنوان نفسه: "أحوال ليست شخصية" (دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، دمشق، 2026) وكأنه يؤكد أن هذه الوقائع، وإن لم تكن ذاتية الصبغة، فهي تنتمي إلى فضاء عام يعرفه جيداً وعاش تفاصيله بدقة ومعرفة. تُكتب القصص عنه وفيه ليصبح الحدث رغم اختلافه بين الحكايات متصلاً ومتماسكاً.
هنا، يمكن التفكير بأهمية أن يستمر ظهور النوع الفني أي القصة القصيرة، رغم أن من يكتبونه باتوا قلّة بالمقارنة مع عدد الروائيين، إذ يمكن للحبكات السريعة أن تحيط بكل ما يقترحه الواقع والخيال على القاص، دون أن تصبح الكتابة متكلفة، أو مليئة بالتفاصيل المجانية، ويتعزز حضور هذا النمط الأدبي بتكريس الكاتب نتاجه في فضاء محدّد، يريد منه أن يوصل رسالة عن العالم، ولكن يكون الأمر غريباً حين نرى أن الفضاء الذي تشتغل عليه المجموعة هو فضاء قريب من الديستوبيا؛ وطن كامل يبدو فيه الإنسان مسحوقاً ومراقباً ومهدداً باستمرار.
ففي القصة الأولى نتابع شخصاً يحاول استخراج شهادة وفاة لنفسه، لنكتشف في النهاية أنه مات فعلاً. وفي القصة الثانية تتحول ذبابة صغيرة إلى عنصر قادر على تغيير مصير إنسان مرات عدة، وكأن هشاشة الحياة البشرية أصبحت مرتبطة بتفصيل تافه وعابر. الذبابة هنا ليست مجرد عنصر غرائبي، بل كناية عن عبثية المصير الإنساني داخل عالم فاقد للمعنى والاستقرار. بعد القصتين الأولى والثانية، تتوالى القصص لتؤكد بناء هذا الفضاء الديستوبي. من خلال مقاربة تجمع بين الإنسان المعزول عما يجري خارج حدود بلده، وبين التقنيات التي توظف لتصنع قيوداً جديدة تحطم ذاته.
هناك محاولة معلنة من قبل النظام لصناعة إنسان يناسبه، يسميه بالمواطن النموذجي عبر استخدام التقنيات الحديثة. محاولات قولبة الإنسان هنا أشبه بتطبيق "سرير بروكست"، حيث تقص البرمجيات من أرواح البشر ما لا يلزمها ليتحولوا إلى نسخ متشابهة. وفي قصة "المريض 54" نكتشف أن هذا المريض ليس مريضاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما سجين داخل معتقل كبير اسمه الوطن، المشفى هنا وكما تقترح الفلسفة هي مركز التحكم التأسيسي للبشر الذين دونت صفاتهم في الكاتالوغ، إذ يجب أن يرضخوا لآلات تدقق في تكوينهم بشكل مستمر، والمطلوب منهم ألا يثوروا على الحاكم أو على النظام، وصولاً إلى مطالبتهم بالتوقيع على "وثيقة الطاعة" التي يجب على المريض أن يوقعها من أجل أن يخرج ويعاد دمجه في المجتمع، وتقول: "أقرّ بأنني كنتُ مريضاً، لكنِي فهمت: الشفاءُ هو الانضباط".
قراءة فانتازية تحاول ابتكار نماذج مختلفة للقصّ
ضمن هذا السياق تصبح التفاصيل اليومية، والوقائع التي عاشها السوريون تحديداً، انعكاسات واضحة داخل القصص. ففي قصة سقوط صورة القائد مثلاً، يظهر كيف يمكن لصدفة عابرة أن تضع جماعة بشرية كاملة تحت التهديد. وفي قصة أخرى يصبح "ظل الإنسان" هو المعيار الذي تُقاس به إنسانيته أو نشاطه السياسي، لا كينونته الحقيقية، وهذا ما يؤكد أن حسام أبو حامد يذهب نحو قراءة فانتازية للديستوبيا، تحاول ابتكار نماذج مختلفة عن التصورات التقليدية التي عرفها الأدب سابقاً.
الإسقاطات السياسية في المجموعة حاضرة بشكل مباشر، ولا سيما في سياق ما بعد سقوط نظام الأسد، حيث تبدو القصص في حالة اشتباك دائم مع الواقع السوري. وهذا ما يظهر بوضوح في قصة "المقابر الانتقالية" التي تنتهي بنهاية كارثية، إذ تتحول المدن أو الضواحي المشيدة فوق المقابر إلى أماكن للرعب، بعدما تنهار الأرض وتظهر وجوه الضحايا وأيديهم من تحتها.
هذا التوجه في قصص حسام أبو حامد يعكس علاقة تتحسس ما خلف الواقع، ولا سيما آليات السيطرة المعاصرة، من زاوية ترى أن القصة القصيرة ليست مجرد مادة ترفيه، وإنما وسيلة لفهم العالم وكشف تناقضاته. قد لا يجد بعض القراء في هذا النوع من القصص المتعة بالسردية التقليدية، لكن المجموعة تؤكد حضور هذا النوع الفني بوصفه مساحة توتر بين الأدب والواقع، ومحاولة لجعل السرد أكثر مرونة وقدرة على ملامسة الأسئلة اليومية والسياسية والوجودية للإنسان.
